السيد كمال الحيدري
271
اللباب في تفسير الكتاب
وغيرها ممّا يغفل الخلق عن حقائقها المندرجة تحت كلمة الجلالة « الله » الجامع لجميع المعاني الكماليّة . ومن هنا جئ بلفظ « ربّ العالمين » ليكون مظهراً لما للفظ الجلالة من آثار ، وتفصيلًا لإجمال الذات المتعالية ، وإشعاراً للسبب الذي من أجله يكون الثناء له تعالى بالاستحقاق ذاتاً ، لأنّ تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلّية . والربوبيّة المطلقة هي مفرق الطرق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل والغبش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة بصورتها القاطعة . وكثيراً ما كان الناس يجمعون بين الاعتراف بالله بوصفه الموجد الواحد والخالق لهذا الكون ، والاعتقاد بتعدّد الأرباب الذين يتحكّمون في الحياة . فهذه كتب الملل والنحل تحكى أحوال هؤلاء ، سواء في ماضي البشريّة أو في العصور التي اقترنت ببعثة خاتم النبيّين محمّد صلّى الله عليه وآله ، في ما حدّثت به عن ديانات الوثنيّين ومعتقداتهم . فالوثنيّون يؤمنون أنّ الله سبحانه هو الخالق ، لكنّهم مع ذلك يشركون في الربوبيّة ، هذه الحقيقة بما تنطوى عليه من مفارقة صارخة وغريبة يتحدّث عنها القرآن الكريم بصراحة ، كما في قول الله عزّ وجلّ : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ) ( لقمان : 25 ) . فمع إيمانهم هذا بتوحيد الخالقيّة يتّجهون في تدبير هذا العالم إلى ما سوى الله ، في ثنائيّة هابطة يدينها القرآن بعد أن يصفها بقوله : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ) ( الزمر : 38 ) ، إذ تتحدّث الآية صراحةً عن شرك هؤلاء وإيمانهم بأنّ هناك موجودات تخلق وتنفع بنفسها من دون الله ، وأنّ الله فوّض إليها هذا الأمر .