السيد كمال الحيدري
27
اللباب في تفسير الكتاب
ولا ينبغي توهّم عدم احتياج أو مدخليّة العمليّة التفسيريّة في توطيد أرضيّة العقيدة والشريعة والأخلاق ، فذلك من جملة الثمرات الإيجابيّة للتفسير ، وإنّما الممنوع والمُستهجن هو الانتصار لذلك على حساب مفردات النصّ ومفاده ، وهذا ممّا يُفقد النصّ قُدسيّته وهدفيّته ، ويُفقد العمليّة التفسيريّة هدفها وجدواها . فإعمال الرأي والنظر في التفسير إذا كانت أرضيّتُه الدليليّةَ القطعيّةَ أو ما هو قريب من ذلك فهو ممّا يُلتزم به ويُعتمد عليه ، ودون هذه الأرضيّة لا يبقى مجال لاعتبار النتاج التفسيري الاجتهادى . الثالث : التفسير العلمي التجريبى والمراد به في المقام مجموعة القضايا الحقيقيّة القابلة للإثبات بواسطة التجربة والمشاهدة والحسّ ، وهذا المقدار من العلم هو ما تلتزم به الفلسفة الوضعيّة التي اعتمدت التجربة في إثبات ما له واقعيّة خارجيّة ، وبذلك خرج كلّ ما لم يُمكن إثباته تجريبيّاً عن حريم العلم ، وبذلك لم يعد للقضايا الغيبيّة الميتافيزيقيّة موضع للبحث عندهم ما دامت غير قابلة للتجربة والمشاهدة . وحيث إنّ هذا المنهج التفسيري يعتمد على الاستقراء بالدرجة الأُولى في رصد مفردات التجربة فإنّه يبقى عاجزاً عن تقديم نتائج قطعيّة ؛ لعدم مكنته من الوصول إلى استقراء تامّ ، ولذلك فإنّ نتائجه ستبقى ظنّية بحاجة إلى مُتمّمات تُصحّح العمل والأخذ به . فالمشاهدة تحتاج إلى تكرار ، والتجربة إلى استمرار ، ليتسنّى للنظريّة المستفادة منهما التحوّل إلى قانون ثابت في ضوابطه ونتائجه ، ومع كلّ ذلك فإنّ فلسفة العلم طبقاً لنظريّاتها الجديدة أثبتت عجز العلوم الطبيعيّة التجريبيّة عن الوصول بمعطياتها إلى مرتبة القانون ممّا جعل أصل الإشكاليّة أكثر تعقيداً .