السيد كمال الحيدري
261
اللباب في تفسير الكتاب
نعم ، استثنى المخلَصين من عباده حيث قال : ( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) ( الصافّات : 160 159 ) ، والاستثناء متّصل ، والمعنى : هو منزّه عن كلّ ما يصفه الواصفون إلّا عباد الله المخلَصين ، حيث حكى تعالى عنهم الحمد من غير أن يشفع بالتسبيح ؛ قال في خطابه لنوح عليه السلام : ( فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ( المؤمنون : 28 ) ، وقال حكايةً عن إبراهيم عليه السلام : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ) ( إبراهيم : 39 ) وقال لنبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله في مواضع من كلامه : ( وقل الحمد لله ) ( النمل : 93 ) ، وقال حكايةً عن داود وسليمان عليهما السلام : ( وقالا الحمد لله ) ( النمل : 15 ) ، وكذلك ما حكاه عن أهل الجنّة وهم المطهّرون من غلّ الصدور ولغو القول والتأثيم كقوله : ( وءاخر دعوهم ان الحمد لله رب العلمين ) ( يونس : 10 ) . والسبب في ذلك أنّ هؤلاء عباد أخلصهم وخصّهم لنفسه لا يشاركه فيهم أحدٌ غيره ، فعرّفهم نفسه وأنساهم غيره ، يعرفونه ويعرفون غيره به ، فإذا وصفوه في نفوسهم وصفوه بما يليق بساحة كبريائه لأنّهم يعلمون من ربّهم ما لا يعلمه غيرهم ، وإذا وصفوه بألسنتهم والألفاظ قاصرة والمعاني محدودة اعترفوا بقصور البيان وأقرّوا بكلال اللسان كما قال النبىّ صلّى الله عليه وآله وهو سيّد المخلَصين : « لا أحصى ثناءً عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » ، فقد أثنى على الله وتمّمه بأنّه يريد ما يريده الله من الثناء على نفسه . وهؤلاء هم المقرّبون الفائزون بقربه تعالى ، إذ لا يحول بينهم وبين ربّهم شئ ممّا يقع عليه الحسّ أو يتعلّق به الوهم أو تهواه النفس ، فإنّ كلّ ما يتراءى لهم ليس إلّا آية كاشفة عن الحقّ المتعال لا حجاباً ساتراً ، فيفيض عليهم ربّهم علم اليقين ويكشف لهم عمّا عنده من الحقائق المستورة عن غيرهم ، بعدما يرفع الستر فيما بينه وبينهم كما يشير إليه قوله تعالى : ( كلا ان كتب الأبرار لفى عليين * وما ادراك ما عليون * كتب مرقوم * يشهده المقربون ) ( المطفّفين : 21 18 ) .