السيد كمال الحيدري

258

اللباب في تفسير الكتاب

والمتحصّل من هذه المقدّمات الثلاث أنّ كلّ شئ في هذا العالم فهو فعلٌ اختيارىّ له تعالى ، فلا يكون إلّا جميلًا ، من هنا فما من حمد يحمده حامد لأمر محمود إلّا كان له سبحانه حقيقة ، لأنّ الجميل الذي يتعلّق به الحمد ، منه سبحانه ، فلله سبحانه جنس الحمد ، وله سبحانه كلّ حمد . قال الإمام الصادق عليه السلام : « فُقد لأبى بغلة فقال : لئن ردّها الله علىَّ لأحمدنّه بمحامد يرضاها ، فما لبث أن أُتى بها بسرجها ولجامها ، فلمّا استوى عليها وضمّ إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال : « الحمد لله » ولم يزد ، ثمّ قال : ما تركت ولا أبقيت شيئاً جعلت جميع أنواع المحامد لله عزّ وجلّ ، فما من حمد إلّا وهو داخل في ما قلت » « 1 » . الوجه الثاني : أنّ الفعل الحسن الصادر من الله تعالى لا يرجع نفعه إليه ، لأنّه الكامل المطلق الذي يستحيل عليه الاستكمال ، وفعله إنّما هو إحسان محض يرجع نفعه إلى المخلوقين . أمّا الفعل الحسن الصادر من غيره فهو وإن كان إحساناً إلى أحد في بعض الأحيان ، إلّا أنّه إحسان إلى نفسه أوّلًا وبالذات وبه يدرك كماله ( ان أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ) ( الإسراء : 7 ) ، فالإحسان المحض إنّما هو فعل الله تعالى لا غير ، فهو المستحقّ للحمد دون غيره . لذا فإنّ كلّ من أنعم على الغير فإنّه يطلب بذلك الإنعام عوضاً إمّا ثواباً أو ثناءً أو توصيل حقّ أو تخليصاً للنفس من خُلُق البخل ، وطالب العوض لا يكون منعماً فلا يكون مستحقّاً للحمد في الحقيقة . أمّا الله سبحانه وتعالى فإنّه كامل لذاته والكامل لذاته لا يطلب الكمال لأنّ تحصيل الحاصل محال ، فكانت عطاياه جوداً محضاً وإحساناً محضاً ، فلا جرم كان مستحقّاً للحمد ، فثبت أنّه لا يستحقّ الحمد إلّا الله تعالى .

--> ( 1 ) كشف الغمّة : ج 2 ص 118 ، نقلًا عن البرهان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ص 115 .