السيد كمال الحيدري

233

اللباب في تفسير الكتاب

مواضع من كلامه أنّ ما ليس لوجهه الكريم هالك باطل ؛ قال عزّ وجلّ : ( لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) ( القصص : 88 ) ، وقال : ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ) ( الفرقان : 23 ) ، وهذا معناه أنّ كلّ أمر من الأمور إنّما نصيبه من البقاء والدوام بقدر ما لله فيه نصيب ، وهو مفاد جملة من الروايات التي رواها الفريقان عن النبىّ صلّى الله عليه وآله : « كلّ أمر ذي بال لم يُبدأ فيه باسمه فهو أبتر » « 1 » . من هنا يتبيّن أنّ الأنسب في متعلّق الباء في البسملة هو الابتداء لا الاستعانة وإن كانت لا بأس بها ؛ ذلك لاشتمال السورة على الاستعانة صريحاً في قوله : ( وإياك نستعين ) . ووصفه سبحانه في البدء بهذين الوصفين وهما « الرحمن ، الرحيم » لعلّه للإشارة إلى أنّ رحمة الله عزّ وجلّ سابقة على غضبه ، ووسعت كلّ شئ كما نطق به قوله : ( ورحمتي وسعت كل شئ ) ( الأعراف : 156 ) ، وقوله : ( ربنا وسعت كل شئ رحمه وعلما ) ( المؤمن : 7 ) ، لذا ذكر الرحمة في البسملة بدون قيد وشرط فتكون شاملة لكلّ شئ ، ومعنى ذلك أنّ الله سبحانه قرّر حقيقة العلاقة بينه وبين خلقه على أساس الرحمة ، وأنّ العقاب له طابع استثنائىّ لا ينزل إلّا في ظروف خاصّة ، وهذا إن دلَّ على شئ فلعلّه يدلّ على أنّ المجتمع البشرى السائر على طريق الله سبحانه والمتخلّق بأخلاقه ينبغي أن يقيم نظام حياته على أساس الرحمة والمحبّة في جميع المجالات إلّا في مواقع الضرورة ؛ لذا نجد أنّ ( 113 ) سورة من القرآن تبدأ بالبسملة المشتملة على الرحمة من مجموع ( 114 ) سورة في القرآن الكريم ، وسورة واحدة وهى سورة التوبة تبدأ بإعلان الحرب .

--> ( 1 ) الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ، مصدر سابق : ج 1 ص 26 ؛ الأصول من الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ص 504 ، كتاب الدعاء ، باب التحميد والتمجيد .