السيد كمال الحيدري
183
اللباب في تفسير الكتاب
والإنذار والبشير والأحكام والشرائع ، عاهات الأفئدة وآفاتها ، فالقرآن شفاء للمؤمنين . ومن الواضح أنّ جعل القرآن شفاءً للأمراض القلبيّة والروحيّة هو الأصل ؛ لذا قال عزّ وجلّ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِى الصُّدُورِ ) ( يونس : 57 ) ، والمراد ممّا في الصدور هو القلب المعنوي ، والوجه في ذلك هو أنّ الناس لمّا وجدوا القلب في الصدر وهم يرون أنّ الإنسان إنّما يدرك ما يدرك بقلبه وبه يعقل الأمور ويحبّ ويبغض ويريد ويكره ويشتاق ويرجو ويتمنّى ، عدّوا الصدر خزانة لما في القلب من أسراره ، والصفات الروحيّة التي في باطن الإنسان من فضائل ورذائل ، وفى الفضائل صحّة القلب واستقامته ، وفى الرذائل سقمه ومرضه ، والرذيلة داء ؛ يُقال : شفيت صدري بكذا إذا ذهب به ما في صدره من ضيق وحرج ، ويُقال : شفيت قلبي . فشفاء الصدور وشفاء ما في الصدور كناية عن ذهاب ما فيها من الصفات الروحيّة الخبيثة التي تجلب إلى الإنسان الشقاء ، وتنغّص عيشته السعيدة وتحرمه خير الدُّنيا والآخرة . وهذا لا ينافي أن يكون للآيات القرآنية ومنها هذه السورة أثرٌ يرتبط بالبُعد المادّى والجسماني في الإنسان ، كما صرّحت الروايات الكثيرة الواردة من طرق الفريقين في مواضع مختلفة ، ومنها ما أشرنا إلى بعضها في ما مرّ ، ودلّت التجارب الكثيرة على ذلك . لا يُقال : إنّ الوجدان يقضى بخلاف ذلك حيث قد تقرأ هذه السورة المباركة على وجع سبعين مرّة ولا يحصل الشفاء ، فكيف الجمع بينها وبين الأخبار المتقدّمة ؟ فإنّه يُقال : إنّ مضمون هذه الأخبار وما يناظرها ليس هو ترتّب الأثر