السيد كمال الحيدري

155

اللباب في تفسير الكتاب

يُنكر علينا فهم آية واحدة من كتاب الله تعالى بصورة تامّة ، فكيف بالكتاب نفسه ، حيث يقول : « لو أُعطى العبد بكلّ حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودعه في آية من كتابه ، لأنّه كلام الله ، وكلامه صفته ، وكما أنّه ليس لله نهاية ، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه . وإنّما يفهم كلٌّ بمقدار ما يفتح الله عليه » « 1 » ، فالفهم ولو في حدود آية واحدة يبقى محدوداً بحدود مقدار المتلقّى . ولسنا بصدد الإجابة عن ذلك نفياً أو تأييداً ، فما نُريد الوقوف عليه هو ما يُمكن استجلاؤه من المفردة والنصّ القرآنيّين ، وأنّ المُعطى المفرداتى ذو مرتبة واحدة ، أم ذو مراتب كما هو الحال بالنسبة للنصّ ؟ ما نميل إليه هو مراتبيّة معاني المفردة الواحدة فضلًا عن النصّ ، فإنّ أرضيّة كلّ نصّ تتمثّل بالمفردات ، وكلّ مفردة تدخل بصورة مباشرة في تركيبة وبنيويّة النصّ الداخلة فيه . فالاختلاف في قراءة النصّ ، أو تحمّل النصّ الواحد وجوهاً ذات مراتب طوليّة ، يعنى مراتبيّة النصّ واختلاف درجات العمق فيها طوليّاً ، وهذا يكشف لنا إنيّاً بأنّ هنالك مراتبيّة تُمثِّل اللبنة الأولى في إضفاء صفة المراتب الطوليّة في النصّ الواحد . إذن فالمفردة والنصّ القرآنيّان تتضافران في تشكيلة العمق القرآني ، فلا تذهب عليك هذه المباني ، ولا تغب عنك هذه المعاني . وبذلك نخلص إلى حقيقة معرفيّة قرآنيّة ، وهى أنّ المعنى العامّ للمفردة والنصّ القرآنيّين واحد ولكنّه ذو مراتب على حدّ ما هو مقرّر فلسفيّاً عند مدرسة الحكمة المتعالية بأنّ حقيقة الوجود واحدة ولكنّها ذات مراتب .

--> ( 1 ) انظر : البرهان في علوم القرآن ، بدر الدِّين محمّد بن عبد الله الزركشي ، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم ، نشر دار إحياء الكتاب العربي ، الطبعة الأولى ، 1376 ه ، القاهرة : ج 1 ص 9 . وقد ورد ما هو قريب من هذا المعنى في تفسير مجاهد ابن جبر التابعي : ج 1 ص 9 . علماً بأنّ المراد من التستري هو : سهل بن عبد الله التستري .