السيد كمال الحيدري
146
اللباب في تفسير الكتاب
التوحيد محور جميع الحقائق القرآنيّة من الحقائق التي يمكن استظهارها معرفيّاً : أنّ الآيات القرآنيّة على اختلاف مضامينها وتشتّت مقاصدها وأغراضها تنتهى جميعاً إلى معنى واحد بسيط وغرض فارد أصلىّ لا تكثّر فيه ولا تشتّت ، بحيث لا تروم آية من الآيات الكريمة مقصداً من المقاصد ولا ترمى إلى هدف إلّا والغرض الأصلي هو الروح الساري في جثمانه والحقيقة المطلوبة منه . فلا غرض لهذا الكتاب الكريم على تشتّت آياته وتفرّق أبعاضه إلّا غرض واحد متوحّد ، إذا فصّل كان في مورد أصلًا دينيّاً وفى آخر أمراً خلقياً وفى ثالث حكماً شرعيّاً ، وهكذا كلّما تنزّل من الأصول إلى الفروع ، ومن الفروع إلى فروع الفروع لم يخرج عن معناه الواحد المحفوظ . فهذا الأصل الواحد بتركّبه يصير كلّ واحد واحد من أجزاء تفاصيل العقائد والأخلاق والأعمال ، وهى بتحليلها وإرجاعها إلى الروح الساري فيها الحاكم على أجسادها ، تعود إلى ذاك الأصل الواحد . وهذا الأصل الأصيل هو توحيده تعالى بما يليق بساحة عزّه وكبريائه ، فيظهر في مقام الاعتقاد في لباس أسمائه الحسنى وصفاته العليا ، وفى مقام الأخلاق بالتخلّق بالأخلاق الكريمة من الرضا والتسليم والشجاعة والعفّة ونحو ذلك والاجتناب عن الصفات الرذيلة ، وفى مقام الأعمال والأفعال الإتيان بالأفعال الصالحة والورع عن محارم الله . قال الطباطبائي : « ومن أهمّ ما يشاهد في هذا الدين ارتباط جميع أجزائه ارتباطاً يؤدّى إلى الوحدة التامّة بينها ، بمعنى أنّ روح التوحيد سارية في الأخلاق الكريمة التي يندب إليها هذا الدين ، وروح الأخلاق منتشرة في الأعمال التي يكلّف بها أفراد المجتمع . فجميع أجزاء هذا الدِّين ترجع بالتحليل إلى التوحيد ، والتوحيد بالتركيب يصير هو الأخلاق والأعمال . فلو