السيد كمال الحيدري

139

اللباب في تفسير الكتاب

وبهذا ننتهى إلى نتيجة في غاية الأهمّية ، وهى أنّ قراءة النصّ القرآني خصوصاً ، والنصّ الديني عموماً ، بنحو تحقيقىّ لا تتسنّى لأىّ أحد قارئاً كان للقرآن أو تالياً له وإنّما هي وظيفة المتخصّص الحائز على جميع المقدّمات التي أشرنا إلى جملة منها . وأمّا القراءة التحقّقيّة ، فإنّ مجالها يتجاوز دائرة اللفظ والمفاهيم والذهن ، ليدخل في مجال آخر غيبىّ ، وهو دائرة الحقائق الوجوديّة خارجاً ، المجرّدة من المادّة وآثارها . ثمّ إنّ هذه القراءة يمكن فرض مستويات ثلاثة لها هي : مشاهدة الحقائق القرآنيّة ، فيكون صاحب هذا المستوى قاصداً لها . التحقّق بالحقائق القرآنيّة ، فيكون واصلًا إلى مقصوده . التحقّق بالحقيقة الجامعة للقرآن ، فيكون مقصوداً للحقائق القرآنيّة بعد أن كان قاصداً وواصلًا . أمّا المستوى الأوّل ، فإنّه ممكن جدّاً لكلّ من قطع السفر الأوّل من أسفار السلوك العملي الأربعة ، وهو السير من الخلق إلى الحقّ ، فلا يتسنّى لأحد الوقوف على الحقائق القرآنيّة مشاهدةً إلّا بعد الخروج من تبعات عالم المادّة ، فلم يعد محكوماً لها ، بمعنى عدم الالتفات القلبي إلى شئ من ذلك البحر الأُجاج وقصر التوجّه إلى الله تبارك وتعالى « 1 » . وأمّا المستوى الثاني ، وهو التحقّق بالحقائق القرآنيّة لا مجرّد مشاهدتها فإنّها رتبة لا ينالها إلّا من دخل السفر الثاني وتزوّد منه ، وهو السير من الحقّ إلى الحقّ ، ودرجة التحقّق هذه تشكيكيّة ، أي أنّها ذات مراتب لا عدّ لها ولا حصر ،

--> ( 1 ) ينظر بحث السفر الأوّل في كتاب : من الخلق إلى الحقّ ، من أبحاث السيد كمال الحيدري ، بقلم : طلال الحسن ، مصدر سابق : ص 99 79 .