السيد كمال الحيدري

123

اللباب في تفسير الكتاب

وإنّما الطريق إليه يمرّ من خلال طهارة القلب ؛ قال تعالى : ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِى كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) ( الواقعة : 79 77 ) فإذا كان مرجع الضمير في قوله « لا يمسّه » الكتاب المكنون ، وهو الذي عبّر عنه أُمّ الكتاب في قوله : ( وَإِنَّهُ فِى أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا ) ، واللوح المحفوظ في قوله : ( بل هو قرءان مجيد * في لوح محفوظ ) ( البروج : 22 21 ) فسيكون المراد بالمسّ هو المسّ القلبي ، والمراد بالطهارة طهارة الباطن . لذا قال الشيرازي : « وإن كان الضمير في ( يمسه ) عائداً إلى ( كتاب مكنون ) وجعلت الجملة الفعليّة صفة له ، فالمعنى : لا يمسّ اللوح المحفوظ ولا يحمله بما فيه ، إلّا المجرّدون عن جلباب البشريّة من الإنسان والملائكة ، الذين وصفوا بالطهارة من آثار الإجرام . . . » « 1 » . لكن إذا كان النشاط الذهني والفعّاليّة العقليّة قاصرَين عن التعاطي مع بطون القرآن بواقعها الوجودي الكامل ، فإنّ ذلك لا يعنى انسداد الطريق مطلقاً ، بقدر ما يملى على الإنسان الارتقاء من طور في المعرفة أداته العقل إلى طور آخر أداته القلب « 2 » . إذن المرحلة تبدأ من الظاهر وبالمعرفة العقليّة التي توفّر إدراكاً ناقصاً وتتحوّل إلى معدّ وحسب ، أمّا إذا رامَ الإنسان استكمال الشوط فذلك لا يكون إلّا بقدم الولاية ، حيث يبلغ ذلك الوضع الذي يقع فيه تجلّى الحقّ في قلبه بجميع أبعاده .

--> ( 1 ) تفسير القرآن الكريم ، الشيرازي ، مصدر سابق : ج 7 ص 93 . ( 2 ) وهذا هو الذي يسمّى في كلمات العرفاء « طور وراء طور العقل » ، قال القيصري في شرحه على الفصوص : « لأنّ طور المعرفة فوق طور الإدراك العقلي ، وهو الكشف عن حقائق الأُمور على ما هي عليه » . شرح القيصري على فصوص الحكم ، للشيخ الأكبر محيى الدِّين ابن عربى ، المتوفّى 638 ه : الفصّ الإبراهيمى ، ص 179 ع 2 ، وكذلك الفصّ العزيزي ص 304 .