السيد كمال الحيدري

112

اللباب في تفسير الكتاب

فالأوّل وجوده لفظىّ ، والثاني وجوده ذهنىّ ، والثالث وجوده خارجىّ . وإنّ الظاهر الذي يتكفّل به التفسير لا يخرج عن دائرة العلم الحصولي ، وأمّا الباطن الذي يتكفّل به التأويل فإنّه يندرج ضمن دائرة العلم الحضوري . ونقصد بالتأويل الواقع في دائرة العلم الحضوري الوقوف الشهودي على الحقائق الخارجيّة ، لا مجرّد تصوّرها ذهناً ، فذلك وإن كان مقدّمة مهمّة للتأويل المفضى إلى الوقوف الشهودي على الحقائق الخارجيّة ، إلّا أنّه لا يخرج أيضاً عن دائرة العلم الحصولي . وبذلك نخلص إلى أنّ التفسير الذي مهمّته كشف النقاب عن الظاهر ، هو كونه يمثِّل مقدّمة أولى للوصول إلى التأويل الكاشف عن الواقع الخارجي الذي ابتنت عليه الألفاظ القرآنيّة ، فالألفاظ هي الوجود النازل للقرآن ، وتلك الحقائق الغيبيّة هي الوجود الثابت المُستلّ منه ذلك الوجود النازل . فالألفاظ القرآنيّة هي المفردات الحاضرة أمامنا بوجودها اللفظي ومعانيها الصوريّة ، وأمّا الحقائق الغيبيّة التي تقف خلف ذلك الوجود اللفظي والصورى فإنّها خزائن تلك الألفاظ ومعانيها الذهنيّة . قال تعالى : ( وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) ( الحجر : 21 ) ، فالألفاظ هي الشئ المنزّل بقدر معلوم لدينا بسقفها الصوتي والكتبى حتّى تُفهم وتُتعقّل ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ( يوسف : 2 ) ، أمّا الخزائن فهي الحقائق التكوينيّة الخارجيّة التي تمثِّل روح القرآن وحقيقته التي تجلّى الله تعالى فيها لخلقه ولكن لا يبصرون ( الا من رحم الله انه هو العزيز الرحيم ) ( الدخان : 42 ) . وتلك الخزائن ثابتة غير متغيّرة ، باقية غير فانية ، وقد أُشير إلى هذه النكتة في آية الخزائن ، حيث يقول تعالى : ( عندنا خزائنه ) وما دام الشئ عنده سبحانه فهو باقٍ ( مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ) ( النحل : 96 ) .