السيد كمال الحيدري
107
اللباب في تفسير الكتاب
فعن طريق المحسوسات على قدر ما رقى إليه من مدارج الحسّ ، كما يمثّل لذّة النكاح للصبي بحلاوة الحلواء . وإن كان نائلًا للمعاني الكلّية المجرّدة عن عوارض الجسم والجسمانيّات ففي ما نال وعلى قدر ما نال ، وهذا ينال المعاني من البيان الحسّى والعقلي معاً بخلاف المستأنس بالحسّ . الثالثة : إنّ الهداية الدينيّة لا تختصّ بطائفة دون طائفة من الناس ، بل تعمّ جميع الطوائف وتشمل عامّة الطبقات ؛ قال تعالى : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) ( البقرة : 185 ) . إذا عرفت ذلك أعنى اختلاف الأفهام وعموم أمر الهداية مع ما تقدّم من وجود التأويل للقرآن نقول : إنّ هذا هو الموجب أن تساق البيانات القرآنيّة مساق الأمثال ، وهو أن يتّخذ ما يعرفه الإنسان ويعهده ذهنه من المعاني ، فيبيّن به ما لا يعرفه لمناسبة ما بينهما ، نظير توزين المتاع بالمثاقيل ولا مسانخة بينهما في شكل أو صورة أو حجم أو نوع إلّا ما بينهما من المناسبة وزناً . موقفان إزاء المثل في القرآن لمّا كان القرآن قد بيّن جميع معارفه من خلال البيانات اللفظيّة ، وكان المتلقّى لها بشكل عامّ ليس إلّا الأفهام العامّة التي لا تدرك إلّا الحسّيات والأمور المحسوسة ، ولا تنال المعاني الكلّية المجرّدة عن عوارض الأجسام إلّا في قالب الجسمانيّات والمحسوسات ، استلزم ذلك أحد محذورين : إمّا أنّ المتلقّى لهذه المعارف يجمد لفهمها في مرتبة ظواهر هذه الآيات ، التي هي في الحقيقة أمثال لما وراءها من التأويل . ولازمه بطلان تلك الحقائق العالية التي وراءها ، وفوت المرادات والمقاصد منها . وإن لم يجمد وانتقل إلى المعاني المجرّدة بتجريد هذه الظواهر والأمثال عن الخصوصيّات غير الدخيلة ، فإنّ ذلك لا يؤمن معه الوقوع في الزيادة والنقيصة .