السيد كمال الحيدري

103

اللباب في تفسير الكتاب

بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) ( يونس : 39 37 ) ، فإنّ أمثال قوله تعالى : ( لَقَدْ كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ مِنْ هذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ( ق : 22 ) يدلّ على أنّ مشاهدة وقوع ما أخبر به الكتاب وأنبأ به الأنبياء يوم القيامة من غير سنخ المشاهدة الحسّية التي نعهدها في الدُّنيا ، كما أنّ نفس وقوعها والنظام الحاكم فيها غير ما نألفه في نشأتنا هذه . وكذا في قوله : ( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) الإسراء ، 35 فإنّ ظاهرها أنّ التأويل أمرٌ خارجىّ وأثرٌ عينىّ مترتّب على فعلهم الخارجي الذي هو إيفاء الكيل وإقامة الوزن ، لا الأمر التشريعي الذي يتضمّنه قوله : ( وأوفوا الكيل ) . والحاصل : أنّ التأويل أمرٌ خارجىّ هو مرجع لأمر خارجي آخر ، وعليه إذا وصفت آيات الكتاب بكونها ذات تأويل ، فهو من جهة حكايتها عن معانٍ خارجيّة كما في الإخبار أو تعلّقها بأفعال أو أمور خارجيّة كما في الإنشاء فيكون من باب الوصف بحال متعلّق الشئ لا بحال نفس الشئ . تبيّن بما مرّ : أوّلًا : إنّ كون الآية ذات تأويل ترجع إليه ، غير كونها متشابهة ترجع إلى محكمة . ثانياً : إنّ التأويل لا يختصّ بالآيات المتشابهة ، بل لجميع القرآن تأويل ، فللآية المحكمة تأويل ، كما أنّ للمتشابهة تأويلًا . ثالثاً : إنّ التأويل ليس من المفاهيم التي هي مداليل للألفاظ ، بل هو من الأُمور العينيّة المتعالية من أن يحيط بها شبكات الألفاظ ، وإنّما قيّدها الله سبحانه بقيد الألفاظ لتقريبها من أذهاننا بعض التقريب ، فهي كالأمثال تُضرب ليقرّب بها المقاصد وتوضّح بحسب ما يناسب فهم السامع .