السيد كمال الحيدري
100
اللباب في تفسير الكتاب
وهو المراد من الإحكام في قوله تعالى : ( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) هود ، 1 فالإحكام كونه من عند الله بحيث لا ثلمة فيه ولا فصل ، والتفصيل هو جعله فصلًا فصلًا وآية آية وتنزيله على النبىّ صلّى الله عليه وآله ، وأنّ هذا التفصيل في المرتبة الثانية يستند إلى الإحكام الذي في المرتبة الأُولى . قال تعالى : ( وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ) الإسراء ، 106 وليس المراد بذلك أنّه في مقام الإحكام كان الكتاب مجموع الآيات مرتّب السور على الحال الذي هو عليه الآن عندنا كتاباً مؤلّفاً مجموعاً من الدفّتين مثلًا ثمّ فرّق وأُنزل على النبىّ نجوماً ليقرأه على الناس على مكث كما يفرّقه المعلّم منّا قطعات ثمّ يعلّمه متعلِّمه كلّ يوم قطعة على حسب استعداد ذهنه . وبالجملة : فالمحصّل من الآيات الشريفة أنّ وراء ما نقرأه ونعقله من القرآن أمراً هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد والمتمثِّل من المثال هو الذي يسمّيه تعالى بالكتاب الحكيم وهو الذي تعتمد عليه معارف القرآن المنزّل ومضامينه ، وليس من سنخ الألفاظ المفرّقة المقطّعة ولا المعاني المدلول عليها بها . وهذا بعينه هو التأويل المذكور في الآيات المشتملة عليه لانطباق أوصافه ونعوته عليه ، وبذلك يظهر حقيقة معنى التأويل . إذا عرفت ذلك نقول : إنّ القرآن لم يستعمل لفظ التأويل في الموارد التي استعملها إلّا في المعنى الذي ذكرناه . فمثلًا في الموارد الثلاثة التي في قصّة موسى عليه السلام والعبد الصالح قال تعالى : ( حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ) الكهف ، 71 ، وقال : ( حتى إذا لقيا غلما فقتله ) ( الكهف : 74 ) ، وقال : ( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ) الكهف ، 77 ، فالذي تلقّاه موسى عليه السلام من صور هذه القضايا وعناوينها قوله :