السيد كمال الحيدري

14

المدارس الفلسفية في العصر الإسلامي

والمكان ، كما أشرنا إليه . فالحيوان إذا كان له غاية يسعى للوصول إليها فإنّها لا تخرج عن هذه الدائرة الضيقة المشار إليها ، وإذا وجدنا في بعض الحيوانات أحياناً خلاف ذلك - كما هو المشاهد في بعض الحيوانات الاجتماعية كالنمل وزنبور العسل - فإنّه أيضاً لا يكشف عن كون تلك الأعمال إنّما هي عن علم وانتخاب . ولكن عندما نأتي لنفتّش عن الخصوصيات التي يمتاز بها الإنسان عن الموجودات الأخرى والتي جعلت منه سيّد عالم الإمكان ، نجد أنّه : أولًا : له القدرة على النفوذ من ظواهر الأشياء إلى حقائقها وماهياتها واستكشاف العلاقات والروابط الواقعية التي تحكمها وتحدّد مسيرتها . ثانياً : يترتّب على ما سبق أنّه قادر على أن يترقّى من الموارد الجزئية والفردية للوصول إلى القوانين والسنن الكلّية والعامّة التي تحكم مسار هذا العالم ، من غير تقيّد بزمان أو مكان خاصّ ، فليس هو حبيس المحيط والبيئة الجغرافية التي يعيش فيها ، ولا هو رهين الزمان الحالي الذي يولد فيه ، بل هو قادر على تجاوز المكان ، فيتعرّف على كلّ ما يحيط به من الجبال والبحار والنبات والحيوان ، بل يحاول أن يتجاوز هذه الكرة التي يعيش عليها للوقوف على أسرار الكواكب الأخرى - كما هو مشاهد لنا في كلّ يوم - وعلى تجاوز الزمان الحاضر فينفذ إلى أعماق التاريخ ليتعرّف على ماضي الإنسان والأدوار التي مرّت عليه ، ليتّخذ منها دروساً وعبر تعينه على أن يحيا حياة أفضل ويخطّط لمستقبل أحسن ، بل نجد أنّ هذا