السيد كمال الحيدري

126

المدارس الفلسفية في العصر الإسلامي

الثالثة : أنّ الإنسان يجد من نفسه القدرة على أن يقف على تلك الحقائق والواقعيات وأن يدركها - كما هي عليه في الواقع ونفس الأمر - ولكن بنحو الموجبة الجزئية . وهذا في قبال أولئك الذين آمنوا بواقعية أنفسهم ، وتحقّق واقع خارج عن وجودهم ، ولكنّهم أنكروا - أو لا أقلّ شكّكوا - في قدرة الإنسان على إصابة الواقع الخارجي والوقوف على حقيقته ، كما هو عليه في نفس الأمر . والنتيجة الحاصلة من هذه المقدّمات هي أنّ الإنسان لا يطلب شيئاً إلا من جهة أنّه ذلك‌الشيء في الواقع . ولا يهرب من شيء ولا يندفع إلا لكونه هو ذلك الشيء في الحقيقة . وهذا الأمر الفطري لا يختصّ بالإنسان البالغ العاقل وإنّما نجده في الطفل أيضاً . والسبب الأساس الذي يكمن وراء طلب الإنسان للحقيقة والبحث عنها هو حبّه للكمال وهروبه من النقص ، وهما أمران فطريان ، كما تقدّمت الإشارة إليه في مقدّمة هذه الرسالة . فمن خلال وقوفه على الموجودات الحقيقية وتمييزها عن غيرها يحاول أن يطلب تلك الحقائق التي تنسجم مع كماله الوجودي ، ويهرب من تلك الموجودات التي تتنافر ولا تتلاءم معه . وبتعبير الحكماء يطلب لأن « يصير عالَماً عقلياً مضاهياً للعالم العيني » « 1 » ، وهذه هي النتيجة النهائية التي يريد الفيلسوف من بحثه عن الحقائق الوجودية التحقّق بها ، وهو أن يكون عالماً عقلانياً مطابقاً للعالم العيني الخارجي .

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، الشيرازي : ج 1 ، ص 20 . .