السيد كمال الحيدري
86
الفتاوى الفقهية
بحاجة إلى رسوخ أشدّ وأكمل في طبيعة الاستقامة لكي يُعصم بها من المزالق - كذلك العقل والرشد ، فإن لهما مراتب متعدّدة تختلف شدّةً وضعفاً بحسب اختلاف الدوائر والمجالات الحياتية المختلفة . الشرط الثالث : القصد مختاراً لا مكرهاً والمراد من هذا الشرط ، هو أن يريد المتعاقدان إنشاء العقد أو ما يقوم مقامه ، طلباً لآثاره والأخذ بها ، دون ضغط أو إكراه من أحدٍ ، مثلًا : إذا قال : بعتك داري بكذا ، وكان قاصداً الإنشاء وما يترتّب عليه من انتقال الدار من ملكه إلى ملك القابل بلا إكراه ، كان الإيجاب صحيحاً ، وإذا علمنا أنّه تلفّظ به من غير قصد أو كان قاصداً للإنشاء ، لكنه غير قاصد لآثاره ، أو كان قاصداً لكن كان القصد ناشئاً عن إكراه ، بطل العقد . ولكن قد يقال : كيف يجتمع القصد مع الإكراه من قبل الغير ؟ والجواب : نعم ، ليس من الضروري أن يقصد المكره البيع مثلًا ، وينوي انتقال العين من ملكه ، بل قد يتلفّظ بالإيجاب غير قاصد لمدلوله ، فيقع باطلًا ؛ لعدم القصد ، لا للإكراه . لكن يمكن أن يكون قاصداً للبيع ، ومع ذلك يكون البيع فاسداً ولا أثر له ، ما دام ناشئاً عن الإكراه والضغط من الغير لإيقاع المعاملة . فلو هدّدك ظالم وتوعّدك بإيقاع الضرر عليك إذا امتنعت عن بيع دارك فإنّه سيتولّد في نفسك خوف الضرر ، ومن هذا الخوف تتولّد الرغبة في البيع ، دفعاً لما هو أكثر ضرراً وأعظم خطراً ، فاجتمع - والحال هذه - قصد البيع مع السبب الباعث عليه ، وهو الإكراه ، فيكون المكرَه مريداً للفعل في الخارج وقاصداً له ، لكن الحامل والباعث عليه ليس إلّا عقله الحاكم