السيد كمال الحيدري
71
الفتاوى الفقهية
الشرع ، وليست تأسيسية . نعم ، قد حدّدها الشارع بحدود وقيود مخصوصة ، فإن ظفرنا بما يحدّد ويقيّد معاملة ما ، فلابدّ من اتّباعه ، وإلّا فالعرف هو المحكّم فيها من كلّ جهة . هذا من حيث الكبرى . وأمّا من حيث الصغرى : فإنّ المعاطاة من الأمور المعهودة العامّة البلوى ، عند جميع الناس قبل الشريعة وحين البعثة وبعدها في جميع الأمكنة والأزمان والملل ، فاللازم الرجوع إلى وجدانهم فيها ، فإن كان فيه ما يخالف الشرع يطرح وإلّا فهو المعوّل عليه فيها . وكلّما تفحّصنا في الأدلّة الواصلة إلينا من الشارع لم نظفر في هذا الأمر العامّ البلوى لكلّ مسلم ما يدلّ على خلاف ما هو المعهود عند العرف والعقلاء ، إلّا حديث خالد بن الحجّاج المتقدّم . وأمّا كلمات الفقهاء التي حاولت أن تفسّر هذه الظاهرة العقلائية والعرفية ، تارة بأنّها لا تفيد إلا الملك الجائز ، وأخرى بأنّها لا تفيد إلّا الإباحة ، فإن وافقت وانسجمت مع الوجدان العرفي ، فلنعم الوفاق ، وإن خالفت فلابدّ من ردّها إلى أهلها . وإذا دقّقنا الوجدان العرفيّ العامّ في المعاطاة ، نجد : أوّلًا : أنّها بيعٌ لغة وعرفاً ، وكذا في جميع العقود التي تجري فيها المعاطاة ، تكون مسمّاة باسم ذلك العقد ، فلا نجد فرقاً في التسمية بين اللفظي من ذلك العقد والفعلي منه ، ومن ينكر ذلك فإنّما ينكر باللسان ويعترف بالجنان ، والعرف والوجدان خير شاهد على ذلك . وثانياً : من الواضح أنّ مقصود المتعاطيين في هذا الأمر الذي يقوم به نظام معاش الناس في مختلف نواحي الحياة ، هو التمليك والتملّك ، لأنّ هذا القصد هو محور نظامهم في مبادلاتهم بشكل عامّ ، ولا يخطر ببال أحد منهم