السيد كمال الحيدري
58
الفتاوى الفقهية
ثمّة اتّجاهان في هذا المجال : الأوّل : أن العقد لا يكون بدون لفظ دالّ عليه ، ولعلّ هذا هو المشهور بين فقهاء الإمامية . الثاني : أن كلّ ما يدلّ على التراضي فهو عقد عرفاً وشرعاً ، سواء كان قولًا أو فعلًا ، وهذا ما ذهب إليه جملة من أعلام الإمامية . ونحن نعتقد بصحّة الاتّجاه الثاني . والدليل على ذلك : أوّلًا : أنّه ليس للشارع حقيقة واصطلاح خاصّ في العقد ، لأنّه موجود قبل التشريع والمشرّع ، ولم يزد الشارع فيه شيئاً ، وإنّما أقرّه وأمضاه بعد أن أخذ فيه قيوداً وشروطاً بما يتّفق مع مبدأ العدالة . مثلًا : نهى عن بيع المجهول للغرر ، ونهى عمّا فيه شائبة الربا ، لأنّه من الكبائر ، وما إلى ذلك ممّا ثبت النهي عنه . نعم ، لو كان للشارع حقيقة واصطلاح خاصّ فيه كالعبادات ، لابدّ فيه من النصّ الشرعي - ويصطلح عنه بالأمور التوقيفية - وأمّا ما لا حقيقة فيه للشارع كالعقود ، فيكفي فيه عدم النهي شرعاً ، سواءً أكان موجوداً في زمن الشارع أو لم يكن . فإن قلت : إذن ما معنى قول الفقهاء : هذا العقد شرعي ، وذاك غير شرعي ؟ قلنا : إنّه ليس مرادهم من ذلك أن الشارع قد اخترع الأوّل دون الثاني ، بل مرادهم أنّه جامع للشروط ، وأنّ الأحكام الشرعية تترتّب عليه بكاملها دون الثاني . وثانياً : أن السبب المسوّغ لجعل نوعٍ من اللفظ عقداً ، إنّما هو الدلالة الواضحة على الإنشاء والربط المؤكّد بين الاثنين ، والعلم بالرضا الذي