السيد كمال الحيدري
28
الفتاوى الفقهية
وبعبارة أخرى : إنّ الغناء وإن كان - بحسب الاصطلاح اللغوي - هو مطلق مدّ الصوت وتحسينه وترجعيه ، إلّا أنّ المحرّم منه قسم خاصّ ، وهو ما يوجب الخفّة والطيش وفقد التوازن العقلي ، وإليه الإشارة في النصوص « بلحون أهل الفسوق والكبائر » . وأمّا ما لم يبلغ تلك المرتبة وإن أوجب سروراً وارتياحاً ، أو جَلَبَ حزناً وبكاءً وموعظة وعبرة ، فإنّه مستحسن سيّما في القرآن والدعاء والرثاء والمصائب ونحوها . وكلّ مقام بحسب ما يناسبه . وعلى هذا ينزّل ما ورد من تقرير النبي ( ص ) عبد الله بن رواحة على الحِداء ، وكان حسن الصوت ، وما ورد من جواز غناء المغنّيات في الأعراس والأفراح ، ولكن بشروط هي : الأوّل : أن لا يضمّ إليها ما هو محرّم في نفسه كالضرب بالآلات المحرّمة ، والتكلّم بالباطل . الثاني : أن لا يدخل الرجال عليهن . الثالث : أن لا يُسمع أصواتهن على نحو يوجب تهييج الشهوة . وإلّا لو فُقد أحد الشروط المتقدّمة ، كان حراماً . قد يتساءل البعض : أنّه لو قرأ القرآن والدعاء والرثاء والمصيبة وأمثالها ، بلهجة وصوت فائق في الحسن والأداء ، ولم يصحب ذلك الكيفيات والضمائم اللهوية المحرّمة من الآلات وغيرها ، إلّا أنّها أوجبت تحريكاً جنسياً شهوياً عند البعض ، فهل يجوز الاستماع إليها أم لا ؟ الجواب : إنّ ذلك يختلف باختلاف المستمع ، فإن كانت تؤثّر في نفسه طيشاً وتحرّك فيه القوة الشهوية الحيوانية ، فلا يجوز له استماعها ، لا من جهة أنها غناء محرّم ، بل من جهة أنّ استماعها يوجب إثارة الجنس وتهييج الشهوة .