السيد كمال الحيدري

52

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

المحاولة الثانية : وهي محاولة الذهبي وابن كثير وغيرهما ممن جعل هذه الدعوة على معاوية منقبةً له ؛ إذ إنَّ النبيّ قال : « اللهم من لعنته أو سببته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة » . نقل الذهبي في « سيره » عند ترجمته للنسائي عن ابن حِنْزَابَة أنه سمع محمّد بن موسى المأموني - صاحب النسائي - أنه قال : ( [ . . . ] ثمّ إنّه صنَّف بعد ذلك فضائل الصحابة ، فقيل له وأنا أسمع [ المتكلّم هو المأموني ] : ألا تخرج فضائل معاوية رضي الله عنه ؟ فقال : أيّ شيء أخرج ؟ ! حديث : « اللهم لا تشبع بطنه » فسكت السائل . قلت [ الكلام للذهبي ] : لعلّ أن يقال هذه منقبة لمعاوية لقوله صلى الله عليه وسلم : اللهم من لعنتُه أو سببته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة ) « 1 » . واللطيف أن هذا الحديث الذي يدعم الذهبي موقفه به لا يتناول ما إذا كان المدعوّ عليه مستحقّاً أو غير مستحقّ للدعوة عليه ، وهو القيد الذي ذكره مسلم في عنوان بابه أي ( باب من لعنه النبيّ أو سبّه أو دعا عليه وليس هو أهلًا ) . هذا ومن الغريب أن لا تتوفّر طرق المغفرة والزكاة لمعاوية إلَّا من خلال دعوة النبي ( ص ) عليه حتى يتمّ شموله بالأحاديث الأخرى التي رووها ، في حين إنّ القرآن الكريم يقول : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً « 2 » فجعل الدخول في الرحمة ونيل الفضل ل - ( الذين آمنوا بالله تعالى والمعتصمين به ) وهؤلاء يقولون : ل - ( من يلعنه نبيُّ الله ( ص ) ) ! وكأنه لا توجد هناك طرق لتحصيل الزكاة

--> ( 1 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، مصدر سابق : ج 14 ، ص 129 - 130 . ( 2 ) النساء : 175 .