السيد كمال الحيدري
286
السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)
1 . فهو تارة يحمِّل الإمام علياً ( ع ) مسؤولية الأحداث ؛ لأنه ترك الأفضل وهو عدم القتال ، فيقول : ( لا يختلف أصحابنا أن ترك عليّ القتال كان أفضل ، لأن النصوص صرّحت بأن القاعد فيها [ في الفتنة ] خير من القائم ، والبعد عنها خير من الوقوع فيها ، قالوا : ورجحان العمل يظهر برجحان عاقبته ، ومن المعلوم أنهم لم يبدؤوه بقتال . فلو لم يقاتلهم لم يقع أكثر مما وقع من خروجهم من طاعته ؛ لكن بالقتال زاد البلاء ، وسفكت الدماء ، وتنافرت القلوب ، وخرجت عليه الخوارج ، وحكِّم الحكمان ، حتى سُمِّي منازعُه بأمير المؤمنين ، فظهر من المفاسد ما لم يكن قبل القتال ، ولم يحصل به مصلحة راجحة . وهذا دليل على أن تركه كان أفضل من فعله ، فإن فضائل الأعمال إنّما بنتائجها وعواقبها ، والقرآن إنّما فيه قتال الفئة الباغية بعد الاقتتال « 1 » . ومع إهمالنا لطعن ابن تيمية ومن نعتهم ب - ( أصحابنا ) في فقاهة الإمام علي ( ع ) وجميع الصحابة الذين كانوا معه حتى باتوا يجهلون النصوص وقواعد الترجيح ! ! فإنّ ابن تيمية يتغافل في موقفه هذا أنّ نصوصه تلك عامّة وأنّ نصوص حديث « تقتل عمّار الفئة الباغية » خاصّة ، وأنّ القواعد الفقهية تقضي بتقديم الخاصّ على العامّ ! ومن اللطيف أن ابن تيمية في نصّه أعلاه قلب المعادلة برمّتها ، فبعد أن كان مَن يطعن في معاوية يتمسّك بقتله لعمّار ، وبالتالي يكون مصداقاً للفئة الباغية ، فإنّ ابن تيمية جعل علياً ( ع ) بادئاً بالقتال وسبباً في زيادة البلاء وسفك الدماء وتنافر القلوب . . . ؟ ! وهو ما وضعه ابن تيمية على لسان الناصبي في مصنّفه الآخر « منهاج السنّة » إذ قال : ( وأما الرافضي : فإذا قدح في معاوية رضي الله عنه ، بأنه كان باغياً ظالماً ،
--> ( 1 ) ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، تحقيق : عبد الرحمن بن محمّد بن قاسم ، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة ، 1416 ه - - 1995 م ، ج 2 ، صص 441 - 442 .