السيد كمال الحيدري
282
السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)
وجمع الشواهد على أنه كان يتحرّى الحقّ والحقيقة ، وقد استبعد ( كلَّ البعد ) أن يكون ذلك متوفِّراً لجميع المتقاتلين ، لا سيَّما مع أولئك الذين هم على علم بحديث ( الفئة الباغية ) ومع ذلك واصلوا القتل وسفك دماء المسلمين ، فإن « إصرارهم » على القتال لا يمكن تفسيره إلا بالعناد والتمادي في الباطل . ولم ينفرد الشوكاني بهذا الموقف ، بل هناك غيره ممن عبّر عنه . قال محمّد صديق خان القنوجي البخاري في كتابه « الروضة الندية » : ( وأمّا الكلام فيمن حارب عليّاً كرّم الله وجهه فلا شكّ ولا شبهة أنّ الحقّ بيده في جميع مواطنه . أمّا طلحة والزبير ومن معهم ، فلأنهم قد كانوا بايعوه ، فنكثوا بيعته بغياً عليه ، وخرجوا في جيوش المسلمين ، فوجب عليه قتالهم . أمّا قتاله الخوارج فلا ريب في ذلك ؛ والأحاديث المتواترة قد دلّت على أنّهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . وأمّا أهل صفّين ، فبغيهم ظاهر ، ولو لم يكن في ذلك إلَّا قوله صلّى الله عليه وسلّم لعمّار : « تقتلك الفئة الباغية » لكان ذلك مفيداً للمطلوب . ثمّ ليس معاوية ممن يصلح لمعارضة عليّ ، ولكنه أراد طلب الرياسة والدنيا بين قوم أغتام « 1 » ، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ، فخادعهم بأنه طلب بدم عثمان ، فنفق ذلك عليهم ، وبذلوا بين يديه دماءهم وأموالهم ، ونصحوا له ، حتى كان يقول عليّ لأهل العراق أنه يودّ أنّ يصرف العشرة منهم بالواحد من أهل الشام صرف الدراهم بالدينار . وليس العجب من مثل عوامّ الشام ، إنّما العجب ممن له بصيرة ودين كبعض الصحابة المائلين إليه ، وبعض فضلاء التابعين ، فليت شعري ، أيّ أمرٍ اشتبه عليهم في ذلك الأمر حتى نصروا المبطلين وخذلوا المحقّين ، وقد سمعوا قول الله تعالى : فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ
--> ( 1 ) الْغُتْمَةُ : عُجمة فِي المنطق ، ورجل ( أَغْتَمُ ) لا يُفصِح شيئاً ، وقوم ( غُتْمٌ ) أو ( أَغْتَامٌ ) .