السيد كمال الحيدري

272

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

رافضاً لتلك المحاولة ، ناقداً لها ، لا يوافق على نتائج التزامه ببطلان ذلك التأويل . فبدلًا من العودة إلى معاوية ونقده ، حاول تنقية جانبه بالقول : ( وحاش معاوية عن مثل هذا التأويل ، والعهدة على الناقل ، بل قد حكي عن معاوية أنّه قال عندما جاءه قاتل عمّار برأسه : سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : بشّروا قاتل ابن سميّة بالنار ) « 1 » . وهذا مجرّد استبعاد محض لا يمكنه أن يرقى لمعارضة النقل التاريخي الثابت عن نسبة التأويل المشار إليه لمعاوية . أما الحديث الذي أشار إليه ، فمما لا أصل له - بحسب تتبّعنا - في المدوّنات المعروفة للحديث والآثار والسنن « 2 » ، وحتى على فرض وجوده وصحّته ، فإنه لا ينفع في نفي نسبة التأويل لمعاوية ، بل ولا ضير في رواية معاوية له ما دام هو ملتزماً بأنّ المقصود بالقاتل في الحديث إنّما هو ( من أخرجه للحرب ) أو حتى ( من باشر قتله ) . وليس بعيداً عن هذا النوع من المواقف الافتراضية المحضة ما فعله الشيخ العثيمين ، ففي شرحه للحديث عند البخاري ، اعترف بنسبة البغي إلى « أصحاب معاوية » حصراً دون معاوية ! ثم قال موضّحاً : ( قلتُ : أصحاب معاوية ؛ لأن معاوية رضي الله عنه قد لا يكون راضياً بذلك ، لكن قومه تعجّلوا وبادروا للقتال ؛ ولهذا قال [ صلّى الله عليه وآله ] : « تقتله الفئة الباغية »

--> ( 1 ) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ، مصدر سابق : ج 7 ، ص 258 . ( 2 ) نعم ، ذكره ابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) : ج 43 ، ص 473 ، ولكن ليس عن معاوية ، بل عن " مخراق " مولى عمرو بن العاص ، عن عمرو ، به . علماً أن الصيغة المشهورة لهذا الحديث هي ( بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار ) أي الزبير بن العوّام وليس في عمار ، راجع مثلًا : مسند الإمام أحمد بن حنبل ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 99 ، ح 681 .