السيد كمال الحيدري

235

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

ورد في وصية أمير المؤمنين ( ع ) لابن عباس لما بعثه للاحتجاج على الخوارج أنه قال له : « لَا تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ ، تَقُولُ وَيَقُولُونَ . . وَلَكِنْ حَاجِجْهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصاً » « 1 » . إن تاريخ المناقشات والمناظرات بين المسلمين ، على اختلاف مذاهبهم ، في قضايا العقيدة والتاريخ وغيرها من حقول المعرفة الإسلامية يثبت صحّة هذه الملاحظة المنهجية ؛ إذ إنّ من النادر أن يُحسم نقاش في قضية خلافية ما بمجرّد الاحتكام إلى النصوص القرآنية . وبالرغم من معرفتنا بأنّ السمة الأولى للنصّ القرآني كونه « نصّاً لغوياً » ، مما يفترض - كما هو الغالب في شأن أي نصّ لغويّ - أن يكون متعدّد القراءات منفتحاً على الكثير من المعاني والاحتمالات ، إلا أننا لا نستطيع أن نضع مسؤولية وجود الظاهرة المشار إليها ، أو حتى الجزء الأهمّ منها ، على عاتق القرآن الكريم نفسه ، وإنّما يتحمّل وجودها المتخاصمين أنفسهم ، المتحاكمين إلى النصّ القرآني ؛ حين يستغلّون هذه النقطة بالذات ، أي احتمال النصّ معاني كثيرة ، فيركّز كلّ طرف على رأيه وما يدعمه من نصوص بمعزلٍ عن الآراء المخالفة التي قد تؤيّدها نصوص أخرى ، فتتصارع الآراء دون أن تهتدي إلى مخرج واضح . وهكذا يغيَّب النصّ ويلغى ، وتذهب أهمّ خصائص ثرائه ضحية لرغبة البعض بالغلبة على حساب الحقيقة .

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق : ص 465 .