السيد كمال الحيدري

20

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

الحديث عن « السؤدد » لا قيمة له في منزلة المرء عند الله تعالى ، والعظيمُ بحقٍّ في عرف الإسلام هو المؤمن الصادق ، القائم بالأعمال الصالحة ، المواظب عليها ، بل إن القرآن الكريم كثيراً ما يعدّ السلطة والمال والنفوذ مما يفتتن اللهُ تعالى به الإنسانَ ويختبره . . وقليلٌ هم الفائزون في هذا الامتحان . وقصّةُ فرعونَ في سورة « الشعراء » وقارون في سورة « القصص » خير برهان على ما نقول ؛ قال الله تعالى : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ « 1 » . أثبت التاريخ أنَّ أحد أكبر عوامل سقوط دولة الأمويّين هو فشل ساستها في إدارتهم بلاد المسلمين ، وعدم استيعابهم للتنوّع الاثني والثقافي . . لتلك البلاد الواسعة ، وفسادهم في توزيع الفيء بالعدل ، وجورهم وقسوتهم على فئات المجتمع المسلم ، وتمزيقهم لوحدته ونسيجه الاجتماعي من خلال العصبية والاستئثار . . . فعن أيّ ساسةٍ « عظماء » يتحدّث هؤلاء المدافعون ؟ ! وأما كتابة معاوية للوحي فقد رآها البعض فضيلةً له ، وهي ليست كذلك ؛ فالرجل واحد من عديدين جدّاً ، وفيهم من كان شاكّاً بالإسلام وقد ارتدّ عليه ولم يُسلم إلا مكرهاً في يوم الفتح كما هو الحال مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح . على أن البعض - كما هو الحال مع العلّامة الحافظ أبي الحسن المدائني - يذهب إلى أنّ معاوية لم يكتب الوحي لرسول الله ( ص ) بل ( كان زيد بن ثابت يكتب الوحي ومعاوية يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فيما بينه وبين العرب ) « 2 » .

--> ( 1 ) الأنعام : 6 . ( 2 ) نقل ذلك عنه محمّد بن عبد الباقي بن يوسف المصري المالكي الزرقاني في شرحه ل - « المواهب اللدنيّة بالمنح المحمّدية » للقسطلاني ، عند قول الأخير عن معاوية إنه ( مشهور بكتابة الوحي ) . انظر : الزرقاني ، أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف المصري المالكي ، شرح المواهب اللدنية بالمنح المحمّدية ، طبعه وصحّحه : محمّد عبد العزيز الخالدي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط 1 ، 1417 ه - / 1996 م : ج 4 ، ص 553 .