السيد كمال الحيدري
17
السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)
التاريخ من أخبار واضحة بأسانيد صحيحة . وحيث إنَّ أبحاث هذه السلسلة « سلسلة مطارحات في العقيدة » موجّهةٌ إلى عموم المسلمين ، وتضع في طليعة أولوياتها الإشكاليات المتداولة على الساحة العقائدية ، والأفكار والنظريات المعاصرة التي تروِّج لها بعض الاتّجاهات ، فإنَّنا لاحظنا في الآونة الأخيرة توجّهاً خطيراً تمثّله كتابات فريقٍ من الباحثين يسعى جاهداً لتحسين صورة ملوك بني أميّة وتلميع صورتهم في الفكر والتاريخ الإسلاميَّين ، واعتبارهم خلفاء صالحين للمسلمين يتّسم دورهم بالخير والعدل والسؤدد والرخاء لهم ، ومن هنا - هكذا يستنتج هؤلاء - فالواجب تولّيهم واحترامهم وتجنّب الطعن عليهم ونقدهم ، وإذا كان هذا الواجب ملزماً للمسلمين في تعاطيهم مع مجمل ملوك بني أميّة ، فإنَّه أشدّ إلزاماً مع عميد هؤلاء الملوك وسيّدهم بلا منازع : معاوية بن أبي سفيان . ما ستحاوله هذه الدراسة هو الوقوف عند تلك المحاولات - لاسيّما المتأخّرة والمعاصرة منها - الرامية للدفاع عن خصوص معاوية ، وتلميع شخصيته وتضخيمها ، وتأويل ما صدر فيه عن نبيّ الإسلام ( ص ) من مطاعن ، أو تكذيب ما ثبت تاريخياً عنه من مساوئ أو هنات . ولكي يطّلع القارئ بنحو عامّ على ما نعنيه ، قبل أن يقف على ذلك مفصّلًا في ثنايا هذه الدراسة ، نشير هنا إلى أربعة محاولات دُوِّنت لهذا الغرض ، الأولى منهنّ قديمة ، والأخريات معاصرات ، ليعرف القارئ أنَّ هذه المحاولات الأخيرة تستمدّ أفكارها من أجيالٍ سابقةٍ تمثّل لها « سلفاً » في كلّ ما تقول . المحاولة الأولى : ابن العربي ( ت 543 ه - ) في « العواصم من القواصم » قال : ( وعجباً لاستكبار الناس ولاية بني أميّة ، وأوّل من عقد لهم الولاية رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فإنه ولَّى يوم الفتح عتاب بن أسيد بن أبي