السيد كمال الحيدري
150
السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)
سَمِعَهُ ، لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ ، فَهُوَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ ، وَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ ، وَعَرَفَ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ ، فَوَضَعَ كُلَّ شَيْ ءٍ مَوْضِعَهُ ، وَقَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ( ص ) الْكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ فَكَلَامٌ خَاصٌّ وَكَلَامٌ عَامٌّ ، فَيَسْمَعُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا عَنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ ، وَلَا مَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ ( ص ) ، فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ وَيُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ ، وَمَا قُصِدَ بِهِ وَمَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ ، وَلَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ( ص ) مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَفْهِمُهُ ، حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الْأَعْرَابِيُّ وَالطَّارِئُ ، فَيَسْأَلَهُ ( ع ) حَتَّى يَسْمَعُوا ، وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِي مِنْ ذَلِكَ شَيْ ءٌ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَحَفِظْتُهُ ، فَهَذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي اخْتِلَافِهِمْ وَعِلَلِهِمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ » « 1 » . وقد علّق ابن أبي الحديد على هذا الكلام بقوله : ( واعلم أنّ هذا التقسيم صحيح ، وقد كان في أيّام رسول الله ( ص ) منافقون وبقوا بعده ، وليس يمكن أن يقال : إنّ النفاق مات بموته . والسبب في استتار حالهم بعده أنّه ( ص ) كان لا يزال يذكّرهم بما ينزل عليه من القرآن ؛ فإنّه مشحون بذكرهم [ . . ] ، فلما انقطع الوحي بموته ( ص ) [ . . ] وصار المتولّي للأمر بعده يحمل الناس كلّهم على كاهل المجاملة ويعلمهم بالظاهر [ . . ] خمل ذكرهم ، فكان قصارى أمر المنافق أن يُسرَّ ما في قلبه ويعامل المسلمين بظاهره ويعاملونه بحسب ذلك . ثم فتحت عليهم البلاد وكثرت الغنائم ، فاشتغلوا بها عن الحركات التي كانوا يعتمدونها أيّام رسول الله ، وبعثهم الخلفاءُ مع الأمراء إلى بلاد فارس والروم فألهتهم الدنيا عن الأمور التي كانت تنقم منهم في حياة رسول الله ( ص ) ، ومنهم من استقام اعتقاده وخلصت نيّته لمَّا رأوا الفتوح وإلقاء الدنيا أفلاذ
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق : صص 325 ، 326 ، الخطبة رقم 210 .