السيد كمال الحيدري

98

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

أ : الدليل العقلي الحقيقة أنّ الدليل العقلي على النظرية الثالثة هو الدليل نفسه الذي تمّ به إسقاط نظرية التفويض المعتزلي . فقد أثبت البرهان العقلي استحالة ما تذهب إليه المعتزلة ، على اعتبار أنّ الوجود الإمكانى هو عين الفقر والحاجة إلى الله وإلى العلّة الموجدة له ، قد يشير إليه قوله سبحانه : يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ « 1 » ، وهذا ما عبّر عنه صدر الدين الشيرازي بالوجود الفقرى وبالإمكان الفقرى كما مرّ تفصيلًا . إذن فالدليل الذي أبطل دعوى المعتزلة في التفويض هو نفسه يثبت أنّ الوجود الإمكانى يحتاج إلى علّته التي أفاضت عليه الوجود حدوثاً وبقاءً ، لا حدوثاً فقط كما ذهبت لذلك المعتزلة . يمكن أن نشير على هذا الصعيد إلى عدد من الجهود الاستدلالية ، منها : 1 ما قام به السيّد الخوئي حين أوضح أنّ الفعل الإنسانى يتوقّف على مقدّمتين تتمثّل الأولى بحياة الإنسان وقدرته وعلمه ، والثانية هي مشيئته واستخدامه القدرة لإيجاد الفعل في الخارج . عند شرحه المقدّمة الأولى يذكر أنّ هذه المقدّمة للفعل الإنسانى تفيض على الإنسان من الله سبحانه وترتبط بذاته الأزلية ارتباطاً ذاتيّاً ، لينتهى بعد توضيح ، إلى القول : « إنّ سرّ حاجة الممكن إلى المبدأ كامن في صميم ذاته ووجوده ، فلا فرق بين حدوثه وبقائه من هذه الناحية أصلًا » « 2 » . لقد انتهى الخوئي إلى هذا الأصل في معرض نقاش التفويض الاعتزالى مؤكِّداً : « أنّ منشأ حاجة الأشياء إلى المبدأ وخضوعها له خضوعاً ذاتياً هو إمكانها

--> ( 1 ) فاطر : 15 . ( 2 ) محاضرات في أصول الفقه ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 87 .