السيد كمال الحيدري

91

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

يبدو أنّ الاستقطاب الثنائي بين الجبر والتفويض كان يلقى بظلاله على بعض أوساط الشيعة والقواعد الشعبية الموالية لأئمّة أهل البيت عليهم السلام . ولا غرابة فهؤلاء كانوا يعيشون وسط المسلمين كما يعيش البقيّة ، فلا مناص من أن يتأثّروا بهذا القدر أو ذاك ، لاسيّما إذا عرفنا أنّ هذه الاتجاهات الفكرية غير الإمامية كان لها على الدوام رصيد من الحماية السياسية يزيد من قوّة تأثيرها اجتماعيّاً . دخل شخص على الإمام جعفر الصادق عليه السلام فبادره الإمام بالسؤال : أخبرني عمّا اختلف فيه من خلّفت من موالينا ؟ قال : قلت : في الجبر والتفويض . قال : فاسألني . قلت : أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال : الله أقهر لهم من ذلك . قال : قلت : ففوّض إليهم ؟ قال : الله أقدر عليهم من ذلك « 1 » . فمن الواضح أنّ هذا النصّ يلتقى مع ما سلف في تأكيد الحصيلة الأولى التي تنفى الحصر في الموقف من الفعل الإنسانى بين الجبر والتفويض وتفتح الطريق لخيار جديد ، على اعتبار أنّ العلاقة بينهما ليست ضدّية ولا هما بالمتناقضين اللذين يلزم وجود أحدهما نفى الآخر ، بحيث لا خيار ثالث بينهما . النتيجة الثانية التي تترتّب على النصوص الروائية : حرص نظرية الأمر بين الأمرين في المحافظة على العدل والسلطنة معاً . فلا هي بالتي تضحّى بالعدل من أجل إثبات السلطنة والملك والمشيئة ، ولا هي بالتي تفرّط بالسلطنة والمشيئة لأجل إثبات العدل . هذه النقطة التي توازن بين الأمرين هي أبرز ما يميِّز هذه النظرية عن الاتجاهين الجبري والاعتزالى . بالإضافة إلى ما مرّ من النصوص الروائية هناك عدد آخر منها يؤكّد هذا المدلول ، منها الحديث الشريف : « مساكين القدرية أرادوا أن يصفوا الله عزّ وجلّ

--> ( 1 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق ، ج 5 ، ص 53 ، ح 81 .