السيد كمال الحيدري
86
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
والحقيقة التي لا مناص من الاعتراف بها أنّ الأمّة كان بمقدورها أن تنأى عن هذا التخبّط الذي وقعت به ، لو أنّها انتهلت من « العين الصافية » « 1 » للمعرفة الدينية ، ولم توصد أبواب آل البيت عليهم السلام الذين نصّبهم جدّهم الرسول صلّى الله عليه وآله بأمر من الله تعالى مرجعية علمية للأمّة وأمناء على معارف هذا الدين وشرائعه . لكن عندما أجبرت الأمّة أن تدير ظهرها لآل هذا البيت ، لم تجد بديلًا عن هذه « العين الصافية » تلوذ به إلّا هذا الخبط الذي كلّف الأمّه ولا يزال الكثير ، بل كلّفها الضياع والدمار ؛ « فلا سواء من اعتصم الناس به ولا سواء حيث ذهب الناس إلى عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض ، وذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية تجرى بأمر ربّها ، لا نفاد لها ولا انقطاع » « 2 » .
--> ( 1 ) في « الطرائف » روى أنّ الحجّاج بن يوسف كتب إلى الحسن البصري وإلى عمرو بن عبيد وإلى واصل بن عطاء وإلى عامر الشعبي ، أن يذكروا ما عندهم وما وصل إليهم في القضاء والقدر ، فكتب إليه الحسن البصري : أنّ أحسن ما انتهى إلىّ ما سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال : « أتظنّ أنّ الذي نهاك دهاك ؟ وإنّما دهاك أسفلك وأعلاك ، والله برئ من ذاك » . وكتب إليه عمرو بن عبيد : أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : « لو كان الزور في الأصل محتوماً لكان المزوّر في القصاص مظلوماً » . وكتب إليه واصل بن عطاء : أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : « أيدلّك على الطريق ويأخذ عليك المضيق ؟ » . وكتب إليه الشعبي : أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : « كلّما استغفرتالله منه فهو منك ، وكلّما حمدتالله عليه فهو منه » ، فلمّا وصلت كتبهم إلى الحجّاج ووقف عليها ، قال : « لقد أخذوها من عين صافية » . الطرائف ، ص 95 ، عن بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 59 ؛ الميزان ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 104 103 . ومحلّ الشاهد في الاقتباس هو تعبير « العين الصافية » في الإشارة إلى أهل البيت عليهم السلام . ( 2 ) أصول الكافي ، مصدر سابق ، ج 1 ، ح 9 ، ص 184 .