السيد كمال الحيدري
79
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
في الحقيقة يوفّر لنا المنطلق مجالًا خصباً للردّ على المعتزلة من خلال نقض الأساس الذي استندت إليه ، فلو كان ملاك الحاجة إلى العلّة هو الحدوث وحسب ، لكان الحقّ مع المعتزلة ، لكن البرهان العقلي انتهى إلى أنّ الملاك هو الإمكان أعمّ من أن يكون إمكاناً ماهويّاً كما هو الشائع في الاتجاه الفلسفي المشائى ، أو الإمكان الوجودي والفقرى كما هي عليه متبنّيات مدرسة الحكمة المتعالية ومن يناصرها . الحصيلة : أنّ هذا المنطلق الذي يدرس نظريات الحاجة إلى العلّة ، ينتهى إلى النتيجتين التاليتين بعد إبعاد النظرية المادّية عن النقاش ، وإبطال الأسس التي تقوم عليها النظرية الكلامية : النتيجة الأولى : تعتمد نظرية الإمكان الماهوى للتدليل على أنّ حاجة الممكن إلى العلّة ثابتة بقاءً كما هي حدوثاً . توضيح ذلك : لمّا ثبت أنّ الإمكان هو ملاك الحاجة إلى العلّة ، وأنّ هذا الإمكان لازم ذاتىّ للماهية يستحيل أن ينفكّ عنها ، فسيثبت أنّ الإمكان لا ينفكّ عن الماهية حال البقاء كما هو كذلك حال الحدوث . إذن ، فالممكن محتاج إلى العلّة حدوثاً وبقاءً ، مستفيض منها في الحالتين « 1 » ، خلافاً لما افترضه المعتزلة من الحاجة إلى العلّة حدوثاً فقط . النتيجة الثانية : تستند إلى نظرية الإمكان الفقرى لإثبات حاجة الممكن إلى العلّة بقاءً . فهذه النظرية تثبت حاجة حقيقيّة ، لأنّ الفقر هو عين وجود المعلول ، وهو أمر حقيقىّ لا اعتبارىّ . فالوجود المستفاد من الغير ، يكون مقوّماً له لا ينفكّ عنه بحال ، لا يجوز أن يفارقه ، إذ هو ذاتىّ له ، ومن ثمّ فهو يستفيض منه ويستمدّ منه في كلّ آن آن ، دون انقطاع ، لا فرق بين الحدوث والبقاء ، لأنّ البقاء هو حدوث متجدّد « 2 » .
--> ( 1 ) لمزيد من التفاصيل ينظر : شوارق الإلهام ، مصدر سابق ، 138 . ( 2 ) للمزيد من الإيضاح ينظر : الحكمة المتعالية ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 219 .