السيد كمال الحيدري
76
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
ووجود العالم عن الله سبحانه كوجود الكلام عن المتكلِّم يصير عدماً إذا ما أمسك عنه فيضه لحظة واحدة . فعلى مستوى هذا المنطق ، ليس صحيحاً أنّ البنّاء هو العلّة الحقيقيّة في البناء ، وإذا ما تنزّلنا وسلّمنا أنّه كذلك ، فدوره لا يعدو أن يكون علّة محدثة دون العلّة المبقية ، وأخيراً هناك سذاجة واضحة في قياس علاقة العالم بالله بعلاقة البناء بالبنّاء . المنطلق الثاني : يدور البحث فيه بطبيعة ملاك حاجة المعلول إلى علّة ، وينطلق من السؤال التالي : ما هو السرّ الكامن وراء حاجة الممكن إلى سبب وعلّة ؟ لقد قدّم الفكر الإنسانى عامّة دينيّاً وغير دينىّ عدداً من التكييفات النظرية لهذا السؤال ، يمكن تصنيفها إلى أربع نظريات أساسية ، هي : 1 النظرية المادّية : وهى تذهب إلى أنّ الموجود من حيث هو موجود بحاجة إلى علّة ، وعندئذ فإنّ الحاجة إلى العلّة هي أمر ذاتىّ لكلّ موجود ؛ بحيث لا يمكن أن نتصوّر وجوداً غير معلول « 1 » . 2 النظرية الكلامية : وتتمثّل في أنّ الملاك في حاجة الممكن إلى علّة هي حدوثه « 2 » ، والمراد بالحدوث هو الوجود بعد العدم ، أي أن يسبق العدم الوجود . وهذا ما تبنّاه المعتزلة . يبدو أنّ الذي دفع المتكلِّمين إلى هذه النظرية التي رتّبوا على أساسها الحدوث الزماني للعالم ، هو اعتقادهم أنّ الأديان الإلهية قد أجمعت على هذا
--> ( 1 ) ينظر في عرض هذه النظرية ومناقشتها : فلسفتنا ، محمد باقر الصدر ، ط 14 ، دار التعارف ، ص 272 فما بعد ؛ شرح المنظومة ، الشهيد مرتضى مطهرى ، ترجمة السيّد عمّار أبو رغيف ، مؤسّسة أم القرى للتحقيق والنشر ، 1417 ه ، ص 240 فما بعد . ( 2 ) ينظر في ذلك : شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام ، عبد الرزاق اللاهيجي ، ص 89 ؛ المباحث المشرقية ، ج 1 ، ص 134 ؛ القبسات ، ص 313 ؛ النجاة ، ص 213 ؛ الحكمة المتعالية ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 256 وج 2 ، ص 203 وج 3 ، ص 352 .