السيد كمال الحيدري
68
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
ب : أدلّة الإثبات هناك ما يشبه الإجماع في الساحة الفكرية على أنّ المعتزلة هم رادة العقل والعقلانية في حياة المسلمين « 1 » . في ضوء ذلك نترقّب من المعتزلة أن تقدّم استدلالًا عقلياً على مذهبها في الأفعال . في الحقيقة : رغم تعدّد الصيغ التي قرّر بها المعتزلة دليلهم العقلي ، فإنّ بنية هذا الدليل تعود إلى نظريتهم في أنّ حاجة الممكن أو الفعل إلى الفاعل إنّما تكمن في حدوثه وحسب . إذا كان الأمر كذلك فهو مستغن بعد الحدوث عن الفاعل . وهذا ما ينسجم مع مرتكزات الفكر الاعتزالى الذي آمن بدءاً بنظام السببيّة وقانون العلّة والمعلول . إذا ما آمنّا تبعاً للمعتزلة بأنّ سرّ حاجة الممكن إلى العلّة يكمن في حدوث الفعل فقط لا في حيثيّة أخرى وملاك آخر ، فمن الطبيعي أن لا يكون الفعل بعد حدوثه بحاجة إلى الفاعل وإلى العلّة الموجدة . على هذا نسبوا إلى المعتزلة قولهم : إنّ المعلول يحتاج إلى العلّة حدوثاً لا بقاءً ، على اعتبار أنّه إذا ما وجد وحظي بالدخول في عالم الوجود ، فسيكون مستغنياً عن العلّة . لقد استعان المنطق الاعتزالى في إثبات دعواه بعدد من الأمثلة الحسّية المستقاة بعناية من الواقع الخارجي ومن مسار الحياة الإنسانية . ذكروا مثال البناء وأنّه بحاجة إلى البنّاء في حدوثه ، وإذا وجد البناء ثمّ مات البنّاء فإنّ ذلك لا يؤثّر على وجود البناء شيئاً . هكذا في علاقة المؤلِّف مع الكتاب ، فالكتاب يحتاج إلى المؤلِّف حدوثاً ، أمّا بعد وجوده خارجاً فلا يضرّه غياب المؤلّف وموته .
--> ( 1 ) لقد توفّرنا على تغطية هذه النقطة من خلال جولة مكثّفة في تيّارات الفكر العربي المعاصر ، عبر مقدّمة كتاب : المسار الثقافي بين الإمامية الاثني عشرية والمعتزلة ، رسول جعفريان ، ترجمة جواد على كسّار ، مؤسسة الثقلين الثقافية ، بيروت ، 1421 ه ، 2001 م ، مقدّمة المترجم ، ص 38 3 .