السيد كمال الحيدري

65

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

استخدام هذه القدرة في الفعل والترك فهو مستقلّ تماماً . على هذا نسبوا لأصحاب هذا الاتجاه أنّه لو عُدم الواجب بعد إيجاد الإنسان لما ضرّ ذلك وجوده شيئاً ، لحاجة الإنسان إلى المبدأ في أصل وجوده لا في إعمال قدرته بالفعل أو الترك . هذه النظرية هي التي تعرف بالتفويض الاعتزالىّ تمييزاً لها عن ضروب أخرى من التفويض ، وهى ترتبط أساساً بتحديد موقف من فعل الإنسان . سيمضى الحديث عن هذه النظرية بالمنهجية الإجرائية ذاتها التي تناولت النظرية الجبرية ، عبر توزيع البحث إلى العناوين التالية : أ : مفهوم النظرية نبدأ بنصّ لواحد من أبرز أقطاب المعتزلة ومنظِّريهم هو قاضى القضاة عبد الجبّار ( ت : 415 ه ) مقتبس من كتابه « شرح الأصول الخمسة » ، يقول فيه : « قد عُلم عقلًا وسمعاً فساد ما تقوله المجبرة الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله تعالى ، وجملة القول في ذلك أنّ تصرّفاتنا محتاجة إلينا ومتعلّقة بنا لحدوثها » « 1 » . يبدو من مراجعة الكتب الكلامية والفرقية وجود ما يشبه الإجماع في نسبة هذا المذهب إلى المعتزلة ، من ذلك التلخيص المفيد الذي جاء في « شرح المواقف » لموقفهم حيث ذكر المؤلّف أنّ المعتزلة استدلّوا « على أنّ العبد مُوجِد لأفعاله بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد ، وهو أنّه لولا استقلال العبد بالفعل على سبيل الاختيار لبطل التكليف بالأوامر والنواهي ، لأنّ العبد إذا لم يكن موجداً لفعله ، مستقلًّا في إيجاده ، لم يصحّ عقلًا أن يقال له افعل كذا ولا تفعل كذا ، وبطل التأديب الذي ورد به الشرع ؛ إذ لا معنى لتأديب من لا يستقلّ بإيجاد فعله ، وارتفع المدح والذمّ إذ ليس الفعل مستنداً إليه مطلقاً حتّى يمدح به أو يذمّ ،

--> ( 1 ) شرح الأصول الخمسة ، ص 332 عن : الإلهيّات ، مصدر سابق ، ص 666 .