السيد كمال الحيدري
61
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
ومجافاته لثوابت المنظومة الدينيّة هو الذي قاد عدداً من المنتمين لهذا التيّار إلى الخروج على قناعات هذه المدرسة والتنصّل لموقفها الجبري ، كما حصل مع إمام الحرمين الجويني ( ت : 478 ه ) الذي صرّح بتأثير قدرة العباد في أفعالهم ، وتابعه على ذلك الشيخ الشعراني ( ت : 973 ه ) ، قبل أن يشهد الاتجاه الأشعري ما يشبه الانقلاب النظري على الجبر في الواقع المعاصر . بل ثَمَّ مفارقة عجيبة تبرز في أعمال الفخر الرازي ، ومع أنّ الرازي يأتي في طليعة من شمَّر عن منكبيه في الدفاع عن الجبر ، وبذل جهوداً كبيرة في صياغة أدلّة عقلية للموقف الجبري ، جاءت إلى جوار ما حشده من أدلّة نقلية ، إلّا أنّ هناك أكثر من دارس يشير صراحة إلى أنّ الرازي تنصّل في بعض آثاره للجبر واقترب من مقولة « الأمر بين الأمرين » كما صرّح بذلك صدر الدين الشيرازي بعد أن نقل نصّاً مطوّلًا من « المباحث المشرقية » يدلّ على هذا التحوّل ، قدَّم له بقوله : « والعجب من إمام الباحثين المناظرين كيف جرى الحقّ على لسانه ، ورجع عن إصراره على نصرة مذهب الأشعري » « 1 » . التململ المعاصر لقد شهد الاتجاه الأشعري الجبري تململًا على الصعيد النظري تجلّى في جهود عدد من العلماء المعاصرين البارزين ، اكتسب أحياناً لون الانقلاب النظري الكامل على النظرية الجبرية ، كما هو الحال مثلًا مع الشيخ محمّد عبده ( 1323 1266 ه / 1905 1849 م ) الذي جرّأت صيحاته ضدّ الجبر ، من جاء بعده ودفعتهم إلى مواقف أكثر صراحة ساهمت في تأسيس ما يشبه بالاتجاه النظري المناهض لمبدأ الجبر بين المعاصرين . أمّا عمليّاً فقد تخطّى الواقع الإرهاصات النظرية في الإطاحة بمدلولات
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، صدر الدين محمد الشيرازي ( ت : 1050 ه ) ، دار إحياء التراث العربي ، الطبعة الرابعة ، بيروت ، 1410 ه ، ج 6 ، ص 386 .