السيد كمال الحيدري
475
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
عليه السلام ، فقلت : يا بن رسول الله إنّى دخلت على مالك وأصحابه فسمعت بعضهم يقول إن لله وجهاً كالوجوه ، وبعضهم يقول : له يدان ، واحتجّوا لذلك بقول الله تبارك وتعالى : بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ ، وبعضهم يقول هو كالشابّ من أبناء ثلاثين سنة ، فما عندك في هذا يا بن رسول الله ؟ قال : وكان متّكئاً فاستوى جالساً وقال : اللّهم عفوك عفوك ، ثم قال : يا يونس من زعم أنّ لله وجهاً كالوجوه فقد أشرك ، ومن زعم أنّ لله جوارح كجوارح المخلوقين فهو كافر بالله ، فلا تقبلوا شهادته ، ولا تأكلوا ذبيحته ، تعالى الله عمّا يصفه المشبّهون بصفة المخلوقين ، فوجه الله أنبياؤه وأولياؤه ، وقوله : خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ اليد القدرة ، كقوله : وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ . فمن زعم أنّ الله في شئ أو على شئ ، أو يحول من شئ إلى شئ ، أو يخلو منه شئ ، أو يشتغل به شئ ، فقد وصفه بصفة المخلوقين ، والله خالق كلّ شئ لا يقاس بالقياس ولا يشبّه بالناس ، لا يخلو منه مكان ، ولا يشتغل به مكان ، قريب في بعده ، بعيد في قربه ، ذلك الله ربّنا ، لا إله غيره ، فمن أراد الله وأحبّه بهذه الصفة فهو من الموحّدين ، ومن أحبّه بغير هذه الصفة فالله منه برئ ، ونحن منه برآء » « 1 » . يلحظ في النصّ تكرّر القاعدة ذاتها التي تفيد أنّ المناط في الصفات السلبية هو تنزيه الله سبحانه عمّا يشوبه من صفات المخلوقين ومن أن تجرى عليه خصائص المحدثات . 19 عن سليمان بن مهران ، قال : قلت لجعفر بن محمّد عليهما السلام : « هل يجوز أن نقول : إنّ الله عزّ وجلّ في مكان ؟ فقال : سبحان الله وتعالى عن ذلك ، إنّه لو كان في مكان لكان محدثاً ، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان ، والاحتياج من صفات المحدث لا من صفات القديم » « 2 » .
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 3 ، كتاب التوحيد ، باب 13 ، ح 2 ، ص 287 . ( 2 ) التوحيد ، الباب 28 ، ح 11 ، ص 178 ؛ بحار الأنوار ، ج 3 ، كتاب التوحيد ، باب 14 ، ح 26 ، ص 327 .