السيد كمال الحيدري
417
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الحقيقة أنّ المقام الذي تتحدّث عنه الآية هو مقام الإمامة الذي عبّر عنه القرآن بقوله : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً « 1 » . والإمامة هي غير مقام النبوّة ومقام الرسالة اللّذين كانا لإبراهيم عليه السلام ثمّ حباه الله ( جلّ جلاله ) بالإمامة بعد النبوّة والرسالة والخِلّة ، فقد كان عليه السلام نبيّاً ورسولًا ولم يكن إماماً ، ثمّ أعطيت له الإمامة . هذا المعنى في انصراف مدلول الآية إلى الإمامة بعد النبوّة والرسالة هو ما ذهب إليه عدد من المفسِّرين كالفخر الرازي ، الذي ذكر ل « العهد » في قوله ( تعالى ) : « عهدي » وجوهاً أربعة ، أوّلها قوله : « إنّ هذا العهد هو الإمامة » فضعّف الثلاثة التالية ورجّح الأوّل ، بل اختاره ، وهو يقول : « والقول الأوّل أولى لأنّ قوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِى طلب لتلك الإمامة التي وعده بها بقوله : إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ، فقوله : لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ لا يكون جواباً عن ذلك السؤال إلّا إذا كان المراد بهذا العهد تلك الإمامة » « 2 » . على هذا يتّضح أنّ مقام الإمامة فوق مقام النبوّة والرسالة ، لكن لا على الوجه الذي يكون فيه مطلق الإمام فوق مطلق الرسول والنبىّ ، إنّما المقصود لو اجتمعت في إنسان مقامات النبوّة والرسالة والإمامة فإنّ أشرفها مقام إمامته ، وهى أعظم وأشرف وأقرب إلى الله من مقام نبوّته ورسالته كما هو الحال في المثال الإبراهيمى . لهذا من الخطأ الفاحش أن يُزعم أنّ كلّ إمام فهو أفضل من كلّ نبىّ ورسول ، إنّما المقصود أنّ إمامة الشخص حين ينالها هي أفضل من نبوّته ورسالته كما هو حاصل لنبيّنا محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله حيث
--> ( 1 ) البقرة : 124 . ( 2 ) التفسير الكبير ، ج 4 ، ص 41 . وإن كان عاد في مواضع أُخر لتفسير هذه الإمامة بالنبوّة ، وجوابه : أنّ إبراهيم عليه السلام كان نبيّاً حين واتته الإمامة من الله سبحانه .