السيد كمال الحيدري
40
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
أ : استعراض النظرية من المؤكّد أنّ أفضل من يعبّر عن النظرية هم الأقطاب البارزون في الاتجاه الأشعري ، فمن خلال نصوصهم مباشرة يمكن تلمّس محتواها وما تنطوى عليه من حدود . قال الأشعري ( ت : 330 ه ) في « الإبانة » : « إنّه لا خالق إلّا الله ، وإنّ أعمال العبد مخلوقة لله مقدّرة كما قال : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ « 1 » ، وإنّ العباد لا يقدرون أن يَخلقوا شيئاً وهم يُخلقون ، كما قال سبحانه : هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ « 2 » » « 3 » . على خطٍّ آخر قدّم الفخر الرازي ( ت : 606 ه ) صياغة لهذه النظرية ضمَّنها العديد من كتبه سواء تفسيره « مفاتيح الغيب » أو مصنّفاته في العقيدة والكلام ، بل قيل إنّه أفرد المسألة بمؤلَّف مستقلّ لم يصل إلينا « 4 » . والرازي علاوة على جهوده في التنظير للنظرية وسعيه الاستدلال عليها ، يؤكّد صحّة نسبتها إلى الاتجاه الأشعري . فعند استعراضه لمذاهب المسلمين في خلق الأفعال ، يقول : « القول الأوّل : إنّ المؤثّر في حصول هذا الفعل هو قدرة الله تعالى ، وليس لقدرة العبد في وجوده أثر . وهذا قول أبى الحسن الأشعري وأكثر أتباعه كالقاضي أبى بكر الباقلاني وابن فورك » « 5 » . ثمّ يعرّف الاختلاف الذي دبَّ بين أقطاب هذا الاتجاه لا على خلفية أصل الإيمان بنسبة خلق الفعل الإنسانى إلى الله سبحانه ، وإنّما في التكييف النظري للمسألة عبر ما أطلق عليها بنظرية الكسب كما ستجىء الإشارة لذلك .
--> ( 1 ) الصافات : 96 . ( 2 ) فاطر : 3 . ( 3 ) الإبانة ، ص 20 ، نقلًا عن : الإلهيات ، السبحاني ، مصدر سابق ، ص 612 . ( 4 ) القضاء والقدر ، محمّد بن عمر الرازي ، ط . دار الكتاب العربي ، ص 9 مقدّمة المحقّق . ( 5 ) القضاء والقدر ، ص 31 .