السيد كمال الحيدري
399
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الملائكة واستفهامهم فيما حكاه عنهم القرآن بقوله : أَ تَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ؟ فطبيعة هذا التساؤل والاستفهام تكشف أنّهم فهموا خلافة هذا الموجود الأرضي عن الله ، وحيث إنّه سبحانه منزّه في نفسه عن النقص ومقدّس في فعله عن الشرّ والفساد ، والموجود الأرضي بما هو موجود أرضىّ مبتلى بهذه المواصفات التي ذكرتها الآية ، فإنّ الله سبحانه لم ينفِ عن خليفته الأرضي الفساد وسفك الدماء . ومحلّ الشاهد أنّ الملائكة فهمت أنّ هذا الموجود الأرضي الجديد سيمارس الخلافة عن الله ، وقد استغربت أن يتبوّأ موقع الخلافة عن الله موجود أرضىّ تفرض عليه أرضيّته ممارسة الشرّ والفساد ، في حين إنّها تمارس فعل التنزيه والتسبيح ومن ثمّ فهي تجد نفسها أولى من هذا الموجود في تبوُّأ الخلافة . بعبارة أخرى ، لمّا كان هذا الموجود الأرضي سنخ موجود يمكن أن يصدر منه الإفساد وسفك الدماء ، والله سبحانه سنخ موجود مقدّس عن الفساد والشرّ ونحو ذلك ، فإذن هذا لا يسانخ ذاك ، ومن ثمّ لا يمكن أن يكون الموجود الأرضي خليفة لله . هذا ما فهمته الملائكة ، وعلى أثره جاء سؤالها الاستفهامى . ومنطقها في هذا الاستفهام أنّ الخليفة لابدّ وأن يحاكى مستخلَفه لما يحقّق غاية تسبيح الله وحمده وتقديس وجوده ( جلّ وعلا ) ، وأرضية الخليفة المنتظر لا تدعه يفعل ذلك ، بل تجرّه إلى الفساد والشرّ ، الأمر الذي يودى بالغاية المرجوّة من هذا الجعل . أجل توجد سنخية بين الله سبحانه وبين من يسبّح بحمد الله ويقدّس له ، فإذا كان المطلوب أن يكون لله خليفة يخلفه في الأرض فالملائكة أولى بذلك من الموجود الأرضي بحسب ما ينمّ عنه استفهامها عندما أخبرت بأمر الخلافة وإيجاد الخليفة المرتقب .