السيد كمال الحيدري

390

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

عالمان لقد خلق الله هذا العالم على مرتبتين أو على درجتين من الوجود ، مرتبة من الوجود عبّر عنها بعالم الملكوت وعالم الغيب ، حيث لا يمكن نيل ذلك العالم بهذه الحواسّ الظاهرة ولا يمكن الوقوف عليه عبر الأدوات الموجودة في نطاق عالم الحسّ والشهادة ، كما أنّه لا يخضع للقوانين التي تحكم عالمنا المادّى من الزمان والمكان والحركة وما إلى ذلك . لقد أطلق القرآن على ذلك العالم أسماء عديدة منها عالم الملكوت وعالم الأمر كما عبّر عنه بغيب السماوات والأرض . يقول الله سبحانه : وَكَذلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ « 1 » . تعيش الملائكة في عالم الملكوت وهى تخضع بكينونتها الوجودية إلى أحكام ذلك العالم . فللملائكة صفات سلبية وصفات إضافية ، أمّا الصفات السلبية فهي مبرّأة عن الشهوة والغضب والأخلاق الذميمة والموت والهرم والسقم والتركيب من الأعضاء والأخلاط والأركان ، وهى جواهر روحانية مبرّأة عن هذه الأحوال ، كما توفّرت المصادر على ذكر صفاتها الإضافية أيضاً « 2 » . في مقابل عالم الأمر وعالم الملكوت يأتي عالم الشهادة والمادّة الذي يمثِّل نشأتنا الأرضية . ولعالم المادّة والشهادة مجموعة من الحقائق مثل الحركة والزمان والمكان والتكليف والخروج من القوّة إلى الفعل ، وبعث الأنبياء والرسل والتكامل وما إلى ذلك . والعالمان كلاهما ؛ عالم الأمر والملكوت وعالم الشهادة والملك هما في قبضة الله سبحانه : فَسُبْحَانَ الَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ

--> ( 1 ) الأنعام : 75 . ( 2 ) هذا ما ذكره المفسِّرون من خصائص الملائكة ، وهم عُمّار العالم العلوي المنزّهون من قوانين النشأة الأرضية . ينظر : التفسير الكبير ، ج 31 ، ص 28 ؛ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، ج 3 ، ص 25 .