السيد كمال الحيدري
386
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
عقله . فهي من المسائل الأساسية في المعرفة التوحيدية ، إذ تكاثفت نصوص الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في أنّه سبحانه داخل في الأشياء لا بممازجة ، وخارج عنها لا بمزايلة ، كما في قوله عليه السلام في وصف هذه البينونة والتمييز بينه وبين الأشياء بأنّها بينونة صفة لا بينونة عزلة . والمسألة تحتاج إلى تصوير ، عمد فيه الإمام الرضا عليه السلام إلى مثال المرآة . وما دمنا نريد أن ننطلق من قوله سبحانه : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الْآفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ « 1 » لننطلق في الاستدلال به على أنّ الموجودات ما هي إلّا تجلّيات لأسماء الله وصفاته ومظاهر وآيات له سبحانه ، فلابدّ أن نستعين بمثال المرآة ، مع إشارة إلى خلفيّته التأريخية في السجالات العقيدية للإمام علىّبن موسى الرضا عليه السلام . يتبيّن ممّا مرّ بأنّ أفعال الخلق والإحياء والإماتة والتوفّى وغير ذلك ممّا ينسبه القرآن الكريم إلى الله ويحصره به ، ثمّ يعود لنسبتها إلى مخلوقات أخرى ، إنّما هو على نحو الصورة المرآتية . فهذه المخلوقات حيث ينسب إليها الخلق فإنّما يكون بما هي مظهر لخالقية الله ( جلّ جلاله ) وتجلٍّ لها ؛ وبما هي آية لخالقيّته سبحانه ولولايته ولعزّته ولقدرته ولقوّته ونحو ذلك ، لا أنّ هذه المخلوقات تملك شيئاً قِبال الله لا عرضاً ولا طولًا . فكلّ ما تملكه هذه المخلوقات وتمام ما يوجد لديها ، إنّما هو إراءة لما هو موجود لله سبحانه ، فالمالك والقادر هو الله ، وما عند الإنسان وبقيّة الموجودات فهو من عنده : « فهو المالك لما ملكّك ، والقادر على ما عليه أقدرك » « 2 » .
--> ( 1 ) فصلت : 53 . الكلام في المتن يجرى على أساس أنّ الضمير في ( أنّه ) يعود إلى الله سبحانه ، خاصّة وأنّ عدداً من المفسِّرين يذهب إلى أنّ الضمير في الآية يعود إلى القرآن ليكون المفاد : حتّى يتبيّن لهم أنّ القرآن هو الحقّ ، وفصْل القول بين الرأيين هو ممّا يضطلع به البحث التفسيري . ( 2 ) تحف العقول ، مصدر سابق ، ص 213 .