السيد كمال الحيدري
380
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الاتجاه العام الذي نتحدّث عنه ، متمثِّلًا في أنّ القرآن يحصر بعض الأمور بالله سبحانه ثمّ يعود لنسبتها إلى غيره . فحيث يدور الكلام عن التدبير يواجهنا قول الله عزّ وجلّ : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ « 1 » ، وقوله : اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ « 2 » ، وقوله : اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَ فَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ « 3 » . والسؤال : كيف ينسجم منطق القرآن بين إثبات التدبير لله حصراً بوصف ذلك شأناً من شؤون الربوبيّة وبين ما يتحدّث عنه صراحةً من وساطة الملائكة في التدبير ؟ على أنّ إشكالية التعارض تتعمّق أكثر وتكتسب أبعاداً أكثر تعقيداً حين نرى القرآن لا يقتصر في نسبة التصرّف والتدبير إلى الملائكة وحدها ، بل ينسبه إلى غيرها أيضاً كالجنّ كما في قول الله سبحانه : قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ « 4 » . كما ينسبه إلى الإنسان كذلك ، على ما هو عليه قوله سبحانه : قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ « 5 » . أمّا نسبة التصرّف بالأمور الألوهية إلى الأنبياء فله مصاديق كثيرة في القرآن ، كما في حال إبراهيم وسليمان وداود وعيسى عليهم السلام . فعلى لسان إبراهيم الخليل عليه السلام يواجهنا قوله سبحانه : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيِى الْمَوْتَى قَالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِى قَالَ فَخُذْ
--> ( 1 ) يونس : 3 . ( 2 ) الرعد : 2 . ( 3 ) السجدة : 5 4 . ( 4 ) النمل : 39 . ( 5 ) النمل : 40 .