السيد كمال الحيدري
369
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
في ضوء هذه الملاحظة راح الفلاسفة بل العرفاء أيضاً يقسّمون أسماء الله سبحانه إلى أسماء كلّية وجزئية . والمقصود من الكلّى والجزئي هنا ليس معناهما الفلسفي أو المنطقي ، بل المعنى العرفاني الذي يعنى السعة الوجودية والضيق الوجودي . فكلّما كان الشئ أوسع وجوداً وأبعد أثراً في هذا العالم فهو كلّى ، وكلّما كان أضيق وأقلّ تأثيراً فهو جزئىّ . المناط في هذا التقسيم للأسماء ليست معايير الكلّى والجزئي في الفلسفة والمنطق كما سلفت الإشارة ، بل الآثار المترتّبة عليها وفاعليتها الوجودية ، لأنّها حقائق خارجية . يشير الطباطبائي إلى هذا المعنى بقوله : « من هنا يظهر أنّ ما بين نفس الأسماء سعةً وضيقاً ، وعموماً وخصوصاً على الترتيب الذي بين آثارها الموجودة في عالمنا ، فمنها خاصّة ومنها عامّة ، وخصوصها وعمومها بخصوص حقائقها الكاشفة عنها آثارها وعمومها ، وتكشف عن كيفيّة النسب التي بين حقائقها النسب التي بين مفاهيمها . فالعلم اسم خاصّ بالنسبة إلى الحىّ وعامّ بالنسبة إلى السميع البصير الشهيد اللطيف الخبير ، والرازق خاصّ بالنسبة إلى الرحمن ، وعامّ بالنسبة إلى الشافي الناصر الهادي ، وعلى هذا القياس » « 1 » . الأمثلة واضحة ، فإذا ما نسبنا العلم إلى الحياة فإنّ الحياة أعمّ من العلم ؛ لما مرَّ من أنّ الحياة سنخ صفة يلزمها العلم والقدرة . فالعلم والقدرة من لوازم الحياة ، حيث إذا ثبت أنّ موجوداً ما حىّ فيثبت له العلم والقدرة . على هذا إذا تمّت نسبة العلم إلى الحياة فالعلم خاصّ والحياة عامّة ، أمّا إذا نسب العلم إلى السميع والبصير واللطيف والشهيد والخبير ، فيكون عامّاً وهذه الأسماء خاصّة ويكون كلّياً وهذه الأخيرة جزئية ، كما يكون وسيعاً والأسماء الأخيرة جزئية « 2 » .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 8 ، ص 354 . ( 2 ) تنظر العلاقة بين الحياة والعلم والقدرة ، وهى أبرز ثلاث صفات تتصدّر الصفات الإلهية الذاتية ، وإنّ الحياة هي الأصل وعنها يترشّح العلم والقدرة ، في : التوحيد ، ج 1 ، مبحث الحياة ، ص 190 فما بعد .