السيد كمال الحيدري

35

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

أنّه حىّ قيّوم . بعد هذه الجولة نستعيد مجدّداً التعريف الذي سقناه بدءاً للتوحيد الأفعالى ، لكي تتّضح هذه المرّة أبعاده بشكل واف . جاء في التعريف : « التوحيد الأفعالى : والمراد به هو المعرفة بأنّ كلّ ما يقع في العالم من العلل والمعلولات ، والأسباب والمسبّبات ، والنظامات العادية وما فوقها ، يقع بإرادته في حدوثه وبقائه وتأثيره ، فكلّ شئ قائم به ، وهو القيّوم المطلق ، ولا حول ولا قوّة ولا تأثير إلّا به وبإذنه » « 1 » . هكذا تنتهى الحصيلة في التوحيد بين مدلولى الطائفة الأولى من الآيات التي نسبت خلق كلّ شئ إلى الله ، والطائفة الثانية التي نسبت التأثير لغير الله سبحانه ، إلى أنّ الأوّل مؤثّر بنحو الاستقلال وأنّ الثاني مؤثّر بنحو القيام بالغير . وبتعبير القرآن : إنّ هذا الفعل إنّما يصدر من الفاعل الطبيعي بإذن الله . والمراد بالإذن هو الإذن التكويني لا التشريعي ، لأنّ الإرادة حاكمة هنا وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ « 2 » . هذا هو مقتضى التوحيد في الخالقية على مستوى الفواعل الطبيعيّة . على أنّ هذا الاتجاه النظري سيكتسب إيضاحات تفصيلية مكثّفة أثناء استعراض أهمّ الرؤى في الفواعل الاختيارية ، خاصّة حال عرض نظرية الشيعة الإماميّة في الأمر بين الأمرين . فمع أنّ هذه النظرية جاءت تتحدّث في نصوص أئمّة أهل البيت عليهم السلام عن الفعل الإنسانى ، إلّا أنّنا نعتقد أنّها لا تختصّ به تماشياً مع قاعدة ( المورد لا يخصّص الوارد ) . وبذلك هي تعبير عن قانون عامّ يشمل كلّ سبب من الأسباب الفعّالة في هذا العالم سواء أكانت طبيعيّة أم اختيارية . على هذا الأساس سنترك توضيح التفاصيل إلى هناك .

--> ( 1 ) بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية ، محاضرات السيّد محسن الخرّازى في شرح عقائد الإماميّة للشيخ محمد رضا المظفر ، طبعة قم ، 1990 ، ج 1 ، ص 55 . ( 2 ) التكوير : 29 .