السيد كمال الحيدري

346

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

غير أنّ الله مع كلّ شئ وهو محيط بكلّ شئ ، مع أنّ الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى ملوك الأرض والقادة والزعماء في العالم الإنسانى ، لحقيقيّة مُلك الله سبحانه واعتبارية ما سواه . ففي عالم الكون على اختلاف مراحله مرحلة تنتهى إليها جميع أزمّة الحوادث الملقاة على كواهل الأسباب ، وأزمّة الأسباب على اختلاف أشخاصها وأنواعها وترتّب مراتبها هو الذي يسمّى عرشاً . وفى هذا العرش صور الأمور الكونية المدبّرة بتدبير الله سبحانه كيفما شاء ، وعنده مفاتح الغيب . على هذا يكون قوله سبحانه : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ كناية عن استيلائه على ملكه وقيامه بتدبير الأمر قياماً ينبسط على كلّ ما دقّ وجلّ ، ويترشّح منه تفاصيل النظام الكوني ينال به كلّ ذي بغية بغيته ، وتُقضى لكلّ ذي حاجة حاجته . ولذلك عقّب حديث الاستواء في سورة يونس في مثل الآية ، بقوله : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ إذ قال : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ « 1 » . فهو سبحانه يرزق في موضع الرزق ، ويُحيى في موضع الإحياء ، ويُميت في موضع الإماتة ، ويُعطى في موضع الإعطاء ، ويمنع في موضع المنع ، ويقبض في موضع القبض ، ويبسط في موضع البسط وهكذا إلى بقيّة ما يرتبط بالتدبير الربوبي للوجود . وحيث كان العرش هو المركز الذي ترجع إليه جميع أزمّة التدابير الإلهية والأحكام الربوبية الجارية في العالم ، كان لابدّ وأن تحتشد فيه صور جميع الوقائع بنحو الإجمال ، « 2 » وتكون حاضرة عند الله معلومة له . إلى هذا المعنى يشير

--> ( 1 ) يونس : 3 . ( 2 ) والمراد من الإجمال ليس الإبهام في قبال الوضوح ، بل البساطة في قبال التفصيل ، وهذا ما تقدّم بيانه في قاعدة « بسيط الحقيقة كل الأشياء » في الجزء الأوّل من الكتاب .