السيد كمال الحيدري

337

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

اتجاه من الصحابة بعد وفاة النبىّ صلّى الله عليه وآله متأثّرة بالمناخ الذي أشاعته مؤسّسة الخلافة والخط الذي انتهجته على الصعيد العلمي ، هذا الخط الذي يقضى بتعطيل البحث في هذه الجوانب من المعرفة الدينية ، والحؤول دون السؤال عنها ، وأحياناً فرض العقوبة على السائل . لا يخفى أنّ هذا المنحى التعطيلى لا يزال يحظى برصيد في واقع المسلمين الحاضر ، بما له من منظِّرين وأنصار ، وإن كان يمضى إلى انحسار . يرجع هذا الموقف بالتحليل إلى رؤية تعطيليّة مناهضة للعقل ، تحرم عليه حقّه في المعرفة ، وتحظر على الإنسان ممارسة ما جُبل عليه من غريزة البحث والتفكير ، كما أنّها تتقاطع بالكامل مع الكتاب والسنّة فيما حثّا عليه من تدبّر وتفكير . 2 ثَمّ نزعة نشأت في حياة المسلمين الفكرية لم تكن أقلّ خطلًا من سابقتها ، فقد برزت اتجاهات في تأريخ الفكر الإسلامي حملت هذه الحقائق على ظاهر معناها ومصاديقها المادّية . فالعرش عند ذوى هذه النزعة مخلوق كهيئة السرير له قوائم ، وهو موضوع على السماء السابعة ، والله تعالى مستوٍ عليه كاستواء ملوك البشر على عروشهم ، والكرسىّ مثله ! هؤلاء هم المشبّهة والمجسِّمة من المسلمين الذين نزلوا بحقائق التوحيد من مستواها التنزيهي الرفيع ، إلى واقع مادّى ضيّق ، وقد فاتهم أنّ القرآن والسنّة والعقل تجتمع على مناهضة رؤيتهم وتُقاطِعها بالكامل ، وهى تنزّه ربّ العالمين أن يماثل شيئاً من خلقه أو يشبهه في ذات أو صفة أو فعل . 3 هناك نظرية اعتمدت في تقديم تفسيرها للعرش والكرسي وما شابه على علم الهيئة بصيغته البطليموسية القائمة على نظرية الأفلاك التسعة . فالعرش عند أصحاب هذا الاتجاه مثلًا هو الفلك التاسع المحيط بالعالم الجسماني ، وفى جوفه مماسّاً به الكرسي وهو الفلك الثامن الذي فيه الثوابت ، وفى جوفه