السيد كمال الحيدري
329
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
كلّ شئ إلى غايته . هكذا ترجع الربوبية إلى التدبير ، ويؤخذ في الاثنين معنى الحكمة ، وإخراج الشئ من القوّة إلى الفعل ومن النقص إلى الكمال . 3 عند مراجعة التأريخ الديني للإنسانية من النادر أن يمثِّل الإلحاد وإنكار وجود الله ظاهرة عامّة في هذا التأريخ ، بعكس الشرك الذي يعكس إيماناً بالخالقية وإنكاراً للربوبية . فالقرآن يتحدّث عن هذه المفارقة بكثافة ، مفارقة إيمان هذه الشعوب والأمم بالله خالقاً والتجائها في الوقت ذاته إلى أرباب متفرّقة بدعوى أنّ هذه الأرباب والآلهة تملك تفويضاً من الخالق في التدبير . كأىّ ظاهرة عقدية في تأريخ الإنسان قديماً وحاضراً ، سعت الاتجاهات الشركية لتشييد عقيدتها على فلسفة خاصّة تفيد بأنّ الله أعلى شأواً وأبعد منالًا من أن يتّجه إليه الإنسان بالعبادة ، ومن ثمّ فمن الواجب التقرّب إليه بالتقرّب إلى مقرّبيه من خلقه الذين فوّض إليهم تدبير أمر العالم . هكذا استشرى الشرك في الربوبية وصار أساساً للشرك في العبودية والتدبير . وهو ما يفسّر بعض عناية القرآن الكريم وتركيزه على مواجهة هذه الظاهرة الخطرة . 4 ليس التوحيد عقيدة مفصولة عن الحياة بأبعاده جميعاً ، لكن ذلك لا يمنع من أن تكون بعض أبعاده أوشج صلة بالحياة العملية من غيرها ، كما هو الحال في التوحيد الأفعالى . وربّما كانت أخطر التبعات التي تبرز على سلوك الإنسان هي تلك التي ترتبط بالشرك في الربوبية ، وتفصله عن الارتباط بالله في العبادة والخضوع وتدفعه إلى الالتجاء لما سواه من مخلوقات لا تضرّ ولا تنفع . انطلاقاً من هذه النقطة مكث البحث مطوّلًا مع مشاهد القرآن ، وهى تناقش الاتجاهات الشركية وتكشف عن فساد مرتكزاتها وما تقوم عليه من فلسفة متهافتة تؤمن بالله في الخالقية وتشرك به في الربوبية ، فتتّجه لعبادة غيره والخضوع إليه ! 5 انتقل البحث بعد ذلك إلى طبيعة الأدلّة على توحيد الربوبية ووحدة التدبير الإلهى ، فمكث طويلًا مع البرهان القرآني الذي يتمركز حول قوله