السيد كمال الحيدري

323

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

على أنّ المسألة في إثبات بطلان التالي وأنّ النظام الأتقن هو الذي يسود الوجود لا تقتصر على هذه الآية وحدها ، بل هناك مشاهد قرآنية كثيرة لها دلالتها على المطلوب . من ذلك قوله سبحانه : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِى الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ « 1 » . فالضمير « هذا » من المفروض أنّه يعود إلى السماوات والأرض وغيرها من الظواهر الكونية التي أشارت إليها الآيات ، ومن ثمّ ينبغي أن يكون الضمير العائد إلى هذا الجمع هو الضمير المؤنّث هذه ، لتكون الصيغة : « ربّنا ما خلقت هذه » . بيدَ أنّ الاستعمال القرآني جاء بالضمير « هذا » . وقد علّل البحث القرآني ذلك ، بإرجاع الضمير وإشارته إلى وحدة النظام الذي يحكم عالم الإمكان ، وبالتالي لو كانت الآلهة التي تمارس التدبير الكوني متعدّدة للزم من ذلك اختلال هذا النظام ، إذ سيكون في كلّ جزء من أجزاء هذا العالم نظام لا علاقة له ولا ارتباط بالنظام الذي يحكم في الجزء الآخر ، وهذا على خلاف ما هو موجود بالفعل من الترابط ووحدة النظام الحاكم على الكون رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . النتيجة يخلص البحث في الدليل العقلي الذي أقامه النقل وأشاده القرآن الكريم ، إلى أنّ كتاب الله أقام برهاناً على وحدة الربوبية لله سبحانه ، وقد أثبت بذلك توحيد الربوبية والتدبير من خلال هذا القياس الاستثنائي المركّب من هذا المقدّم والتالي :

--> ( 1 ) آل عمران : 191 189 .