السيد كمال الحيدري

318

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

العالم على نسيج نظام واحد ولا يسوده النظام الكلّى العام ، وهذا معناه فساد السماوات والأرض ، حيث يأخذ كلّ إله بجزء . هذا المعنى هو الذي يشير إليه النصّ الفلسفي التالي : « على أنّه لو فرض كثرة الأرباب المدبّرين لأمر العالم كما يقول به الوثنية ، أدّى ذلك إلى المحال من جهة أخرى ، وهو فساد النظام . بيان ذلك أنّ الكثرة لا تتحقّق إلّا بالآحاد ، ولا آحاد إلّا مع تميّز البعض من البعض ، ولا يتمّ تميّز إلّا باشتمال كلّ واحد من آحاد الكثرة على جهة ذاتية يفقدها الواحد الآخر فيغاير بذلك الآخر ويتمايزان ، كلّ ذلك بالضرورة . فلو كان أرباب متفرّقون سواء اجتمعوا على فعل واحد أو كان لكلّ جهة من جهات النظام العالمي العامّ ربّ مستقلّ في ربوبيّته كربّ السماء والأرض وربّ الإنسان وغير ذلك ، أدّى ذلك إلى فساد النظام والتدافع بين أجزائه » « 1 » . هذا عن التحليل العقلي . أمّا من جهة القرآن الكريم نفسه ، فقد أبانه على نحو استدلالىّ واضح ، كما في الآية الكريمة : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِمَا خَلَقَ « 2 » . فلو كان مع الله آلهة أخرى تشترك في الربوبية والتدبير ، لانصرف كلّ إله إلى الذي خلقه لتدبيره ، فينعزل هذا الجزء من العالم عن ذاك وهكذا . من البحث التفسيري نقتبس النصّ التالي : « قوله : إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِمَا خَلَقَ حجّة على نفى التعدّد ببيان محذوره إذ لا يتصوّر تعدّد الآلهة إلّا ببينونتها بوجه من الوجوه بحيث لا تتّخذ في معنى ألوهيتها وربوبيّتها ، ومعنى ربوبيّة الإله في شطر من الكون ونوع من أنواعه تفويض التدبير فيه إليه ، بحيث يستقلّ في أمره من غير أن يحتاج فيه إلى شئ غير نفسه حتّى إلى من فوّض إليه الأمر . ومن البيّن أيضاً أنّ المتباينين لا يترشّح منهما إلّا أمران متباينان . ولازم ذلك أن يستقلّ كلّ من الآلهة بما يرجع إليه من نوع التدبير وتنقطع

--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، ص 281 . ( 2 ) المؤمنون : 91 .